في مشهد اجتماعي بات يتكرر في كثير من المناسبات، تحوّلت بعض مظاهر المجاملات المالية، وعلى رأسها النقوط من عادة اجتماعية تهدف إلى التراحم والتكافل إلى عبء ثقيل يرهق كاهل الأسر ويثير جدلًا واسعًا حول حكمه الشرعي. 
وفي هذا السياق أطلق الشيخ محمود الطحان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، تحذيرًا واضحًا من الانحراف الخطير الذي قد يطرأ على هذه العادة، مؤكدًا أن خروجها عن مقاصدها الأصلية قد يجعلها تدخل دائرة المحظور شرعًا.

من التكافل إلى التفاخر

أوضح أمين الفتوى أن الأصل في النقوط والمجاملات المالية هو دعم الروابط الاجتماعية وتعزيز معاني التعاون بين الناس، خاصة في المناسبات مثل الزواج أو غيرها من الأحداث التي تحتاج إلى مساندة مجتمعية.

لكن هذا الأصل، بحسب الطحان، بدأ يتآكل تدريجيًا مع تحوّل هذه العادة إلى ساحة للتفاخر والتباهي، حيث يُعلن البعض عن قيمة ما يقدمه أمام الآخرين، في محاولة لإبراز المكانة الاجتماعية أو تحقيق مكاسب معنوية، وهو ما يفرغ العمل من جوهره الإنساني.

وأشار إلى أن هذا التحول يفقد العطاء قيمته الروحية، ويجعله أقرب إلى استعراض اجتماعي منه إلى صدقة أو هدية خالصة لوجه الله.

الرياء يفسد الأجر.. والنوايا تصنع الفارق

شدد الطحان على أن النية تمثل حجر الزاوية في قبول الأعمال، موضحًا أن العطاء إذا شابه الرياء أو الرغبة في الظهور، فإنه يفقد أجره، بل قد يتحول إلى وزر على صاحبه.

وبيّن أن إعلان المبالغ والتفاخر بها أمام الناس يوقع الإنسان في دائرة الرياء، وهو من الأمور التي حذر منها الإسلام بشدة، لما لها من أثر سلبي على نقاء العمل وصدق النية.

وأكد أن العطاء الحقيقي هو ما كان خفيًا، بعيدًا عن أعين الناس، قائمًا على الإخلاص لا على المنافسة أو إثبات الذات.


وفي قراءة أعمق للواقع، أشار أمين الفتوى إلى أن التباهي بالمجاملات المالية يخلق ما وصفه بـالسنة السيئة، حيث يتحول الأمر إلى سباق غير معلن بين الأفراد، يدفع كل طرف إلى مجاراة الآخر، حتى وإن كان ذلك على حساب قدرته المالية.

هذا النمط من السلوك، بحسب الطحان، لا يقتصر ضرره على الأفراد فقط، بل يمتد إلى المجتمع ككل، إذ يرسّخ ثقافة المقارنة والمباهاة، ويقضي على روح البساطة التي كانت تميز هذه العادات في الماضي.

لفت الطحان إلى أن المبالغة في النقوط باتت تشكل عبئًا اجتماعيًا حقيقيًا، حيث يجد البعض أنفسهم مضطرين إلى الاقتراض أو تحمل أعباء مالية تفوق طاقتهم، فقط للحفاظ على المظهر الاجتماعي أو تجنب الحرج.

وأشار إلى أن هذا الوضع يتنافى مع القواعد الشرعية التي تقوم على التيسير ورفع الحرج، وعلى رأسها قاعدة لا ضرر ولا ضرار، مؤكدًا أن أي سلوك يؤدي إلى إيذاء النفس أو تحميلها ما لا تحتمل، يخرج عن إطار المشروعية.

كما أوضح أن بعض الأشخاص باتوا يعزفون عن حضور المناسبات، هروبًا من هذه الالتزامات غير المباشرة، وهو ما يهدد الروابط الاجتماعية بدلًا من تعزيزها.

وانتقد أمين الفتوى بعض الظواهر المستحدثة التي ظهرت في المجتمع، والتي تقوم على إقامة مناسبات أو تجمعات لا هدف لها سوى جمع الأموال تحت مسمى “النقوط”.

ووصف هذه الممارسات بأنها انحراف واضح عن مقاصد الشريعة الإسلامية، التي تقوم على الصدق والنية الخالصة، لا على استغلال العلاقات الاجتماعية لتحقيق مكاسب مادية.