خلال عامين من الحرب ركز الاحتلال استهدافه على القطاع الطبي وكوادره، وحول العديد من المستشفيات إلى كومة من الركام، ومع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، تضاعفت الأمال بإعادة إحيائها، ليأتي سلوك الاحتلال محطما لتلك الآمال، إذ لم يوقف حربه على القطاع الطبي، فاستمر في منع دخول الأدوية والمستلزمات، ومنع جهود الإغاثة وإعادة الإعمار للمستشفيات المدمرة.
أقسى من وقت الحرب
أكدت التقارير أن الواقع الكارثي في مستشفيات القطاع يحتاج إلى 10 ملايين دولار، في فترة زمنية تصل إلى 5 سنوات، لإعادة الإعمار الشامل لعدد 1800 منشأة صحية مدمرة بدرجات متفاوتة في غزة، وكذلك تعويض نقص الأجهزة الطبية، بعد تدمير معظمها في المستشفيات التي استهدفت، وعلى سبيل المثال: لم يتبقَ سوى جهاز أشعة مقطعية واحد في جنوب القطاع، موجود في مجمع ناصر الطبي، وسط مخاوف من توقفه أو تعطله، بما قد يسبب أزمة كبيرة.
وقد كشف الدكتور "أحمد الفرا"- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- في تصريحات خاصة لموقع اليوم، عن حقيقة الوضع في مستشفيات غزة، قائلًا: "الوضع في مستشفيات القطاع أسوأ مما كان عليه في بعض فترات الحرب، ثمة نقص كبير في الأدوية والمستلزمات الطبية، لا سيما التحاليل الطبية وبعض الأدوية المهمة؛
وبينما تعتمد المستشفيات على مولدات الكهرباء، حيث الكهرباء غير متوفرة في بعض الأحيان، وتلك المولدات تعتمد على السولار، يكون شحيحا أحيانا، فنضطر إلى إيقاف بعض المولدات، ما يؤدي لانقطاع التيار الكهربائي عن بعض أقسام المستشفى".
وفي ذات السياق، أضاف: "كذلك يمنع الاحتلال دخول الزيوت اللازمة لتشغيل المولدات، وهي زيوت مثل زيوت السيارات، فأضحت في حالة يرثى لها، لا سيما مع منعه دخول قطع الغيار أيضًا، وذلك بخلاف الارتفاع الشديد في أسعار تلك الزيوت، حيث كان سعر اللتر قبل الحرب لا يتجاوز 5- 6 شواكل، أي ما يعادل مائة جنيه مصري، الآن بلغ سعر اللتر الواحد 1500 شيكل، وهذا رقم مهول إذ يعادل 30 ألف جنيه مصري، وسر هذا التضاعف المهول في السعر هو منع الاحتلال دخول تلك الزيوت".
أمراض معدية تفاقم الأزمة
تردي أوضاع المستشفيات جاء في وقت تنهش فيه الأمراض الجلدية- مثل: الجرب والقمل والبق- أجساد النازحين في مراكز النزوح، بنسبة إصابة بلغت 60%، كما رصدت وسائل إعلام انتشار مرض الجدري بين الأطفال بسرعة مخيفة، مع نقص حاد في الماء والعلاج في ظل ازدحام خانق في مواقع النزوح.
وفي السياق ذاته، يعاني مليون و 450 ألف نازح من انتشار القوارض والآفات في الخيام ومراكز الإيواء، ما أدى لإصابة أكثر من 17 ألف نازح بأمراض مرتبطة بالقوارض والطفيليات الخارجية منذ بداية العام- حسب منظمة الصحة العالمية.
وقد شدد "الفرا" على حدوث تلك الإصابات، في وقت لا تتوفر فيه كثير من الأدوية، وضرب مثلا على ذلك بمتلازمة جيلان باريه، الآخذة في الانتشار بشكل كبير، فقال: "مثال الحالات التي لا تتوفر لها أدوية مصابي متلازمة جيلان باريه، الذين يحتاجون لدواء IVIG أو الإيمونوجلوبونين المناعي، وبسبب عدم توفره توفت 10% منهم".
إجلاء المرضى

وتكتمل صورة الجريمة بإغلاق المعابر في وجه المرضى، الذين يحتاجون للعلاج في الخارج، لتلقي الخدمة العلاجية، التي لم تعد متوفرة بالقطاع، وقد شرح "الفرا" أبعاد ذلك الموقف، فقال: "ما زالت حركة المعابر صعبة للغاية، وحتى خروج الحالات المرضية قليل للغاية، وكثير منها لا تجد أماكن لاستقبالها، وكان من المفترض أن تعلن بعض الدول الآوروبية أو العربية استقبال بعض الحالات المعقدة، مثل: حالات القلب المفتوح أو حالات السرطان؛ وبصفة عامة التحويلات للخارج أو الإجلاء فيه صعوبات من شقين، الأول: أن الاحتلال لا يسمح بخروج أعداد معقولة من المصابين والمرضى، والثاني: أنه حتى الحالات التي تخرج لا تجد الأماكن التي تتوجه إليها لتتلقى الخدمة التخصصية للعلاج".
على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار منذ قرابة 7 شهور، تبقى جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال حاضرة في غزة، وإن اختلفت أدوات الإبادة، حيث نجح الاحتلال في تحويل الأمراض إلى سلاح فتاك يصل به إلى مآربه.