حتى اللحظة ما يزال الوضع الإنساني في غزة خانقًا، حيث يستمر العدوان العسكري للاحتلال على القطاع، فيما يستمر حصاره بمنع دخول الغذاء والدواء والوقود، إلا بكميات محدودة جدا لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان، ما جعل من اتفاق وقف إطلاق النار محض حبر على ورق، دون أن يوجد صوت عالمي واحد قادر على وقف ممارسات الاحتلال.

اتفاق معلق بالخروقات

حسب قناة قدس الإخبارية، ارتكب الاحتلال 2575 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال 195 يوما، منذ بدء سريان الاتفاق، فقصف مناطق القطاع 1176، كان آخرها اليوم قصف دبابات الاحتلال شرق حي الزيتون، وقصف مدفعيته شرق مدينة خانيونس؛ وأطلقت آلياته وقواته النار في مناطق مختلفة بالقطاع 1014، حيث فتحت قواته الرصاص شرق قرية المصدر شرق محافظة الوسطى في القطاع، وأطلقت مسيرة تابعة لجيش الاحتلال النيران على المدنيين في مدينة بيت لاهيا شمال القطاع، ما أدى لسقوط جرحى؛ ونفذ جيش الاحتلال 282 عملية نسف لمنازل، وتوغلت قواته داخل القطاع 103 مرة.

وقد أوضح الدكتور "أحمد الفرا"- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- في تصريحات خاصة لموقع اليوم، صورة تلك الخروقات، فقال: "منذ وقف إطلاق النار، مازالت الاستهدافات تتكرر، وطيران الاحتلال لا يفارق سماء قطاع غزة، ومازال نزيف الشهداء بالقطاع بخلاف مئات الجرحى؛ وعليه نحن نتحدث عن اتفاق تهدئة من طرف واحد، فبينما يطالب الاحتلال بتطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، لم ينفذ الجانب المتعلق به من المرحلة الأولى من الاتفاق، وعلى العكس يتمادى يوميا في خروقاته، مثلما يتمادى في التغول وفي الاغتيالات وفي دعم المليشيات المسلحة، التي تنفذ عمليات الخطف والقتل".

وفي شهادة أخرى على خروقات الاحتلال للاتفاق، قالت السيدة "صبحية السيد سليمان": "ما زال إطلاق النار مستمر، واليوم كان إطلاق النار بغزارة في شارع صلاح الدين، واستهداف كل شيء مستمر بما في ذلك رجال الشرطة والدفاع المدني والمسعفين والأطباء والصحفيين، وتجمعات الناس المدنيين وحتى الأطفال في كل مكان، وكل يوم يرتفع عدد الشهداء في كل مكان، وليس في أيدينا إلى الدعاء لأهالي الشهداء: أن يربط الله على قلوبهم ويعينهم على الصبر؛

وجيراننا وأهلنا كل يوم بينهم حالات شهداء، بالأمس هناك سيدة استشهد أبنائها الأربعة في أماكنهم، وأخرى استشهد اثنين من أبنائها في وقت واحد".

نزيف الخسائر

مع استمرار خروقات الاحتلال للاتفاق، استمر نزيف الضحايا من أهالي القطاع، حيث أعلنت وسائل إعلام فلسطينية استشهاد طفل- 15عامًا- يدعى "أيهم العمري" في إطلاق قوات الاحتلال النار على مشروع بيت لاهيا، وكذلك قتلت نيران قوات الاحتلال قرب دوار التحلية شرق مدينة خان يونس شاب يدعى "أمجد فؤاد إبراهيم الجرف".

وذلك بخلاف حصيلة الضحايا التي أعلنت وزارة الصحة في غزة، اليوم- الإثنين، أنها وصلت مستشفيات القطاع وبلغت 7 شهداء منهم شهيد واحد انتشال و 18 مصابًا؛ ليرتفع إجمالي عدد الضحايا منذ سريان اتفاق وقف الحرب 817 شهيدًا و2,296 مصابا؛ بخلاف 762 شهيدًا تم انتشالهم من تحت الأنقاض؛ وهو ما رفع إجمالي أعداد الضحايا 72,593 شهيدًا و172,399 مصابًا، منذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر 2023.

واقعيًا، أضحى توقع الاستشهاد في أي وقت هو العقيدة الثابتة لدى سكان القطاع، حسب شهادة "صبحية"، التي قالت: "مع استمرار إطلاق النار، أضحيت أتوضأ وأتلو الشهادتين قبل خروجي من الخيمة، خوفا من أن يتم استهدافي في الشارع، مثلما يحدث مع الناس الذين يستهدفونهم في أي لحظة، وقد استهدفوا رجال الشرطة في مركبتهم داخل السوق الأسبوع الماضي، وقصفوا مركبة شرطة أخرى بعدها بعدة أيام، وذلك بخلاف قصف مجموعة مدنيين في سيارتهم ما أدى لاستشهادهم جميعا؛ وهكذا يستمر استهدافهم للجميع مدنيين وأطفال وعاملين بقطاعات مختلفة".

حصار لم يتوقف

استمرار الخروقات لم يقف عند نزيف الدم، بل امتد ليشمل الحصار الخانق للقطاع، حيث يستمر إغلاق سلطات الاحتلال للمعابر، ومنع دخول المساعدات والمواد الغذائية والطبية للقطاع؛. فحتى الأمس أعلنت هيئة المعابر والحدود بغزة إن 214 شاحنة فقط دخلت القطاع، منها 134 شاحنة تجارية و12 شاحنة مساعدات و 12 شاحنة محروقات، عبر معبر كرم أبو سالم، فيما ما زالت التقارير تتحدث عن إغلاق معبر رفح.

وأكدت وسائل الإعلام الفلسطيني أن إجمالي ما دخل القطاع من مساعدات لم يتجاوز 38% من المفترض دخوله، وما دخل من الوقود لم يتعدى 14.7%، أما المسافرين من معبر رفح فلم تتجاوز نسبتهم 28.9% من إجمالي من يحتاجون السفر. وقد أدى نقص المواد الغذائية والمساعدات التي تدخل القطاع إلى حدوث عجز كبير فيها، حيث تجاوزت نسبة العجز في إمدادات الخبز الأساسية %‎50- حسب "حسن أبو ريالة" وكيل وزارة الاقتصاد في غزة.

وعن المعابر وتوفر المواد الغذائية، قال "الفرا": "بالنسبة لإغلاق المعابر، فالوضع الآن أفضل من ذي قبل، لكن المواد الغذائية الأساسية غير متوفرة، وعلى سبيل المثال: ما زالت البروتينات الطازجة غير متوفرة، ومثلها البيض والألبان الشحيحة داخل القطاع وكذلك الأجبان الحقيقية وليست المصنعة، حيث يقتصر دخول البروتينات على المجمدة منها، وبعضها تم تجميده وتعرض لدرجات حرارة، ثم أعيد تجميده مرة أخرى ففقد قيمته، ومنها ما تم إتلاف أطنان منه بسبب عدم صلاحيته، وعليه فالوضع الغذائي مازال غير صحي؛

وعلى جانب آخر تضررت الثروة السمكية بالقطاع، وأضحت الأسماك غير صالحة للصيد، بسبب تدمير الاحتلال منظومة الصرف الصحي، ما أجبر السكان على تحويل ضخ الصرف الصحي إلى البحر، كما تقتل قوارب وزوارق الاحتلال الصيادين حال تعدوا في إبحارهم نطاق 200- 300 متر؛

ومن هنا فالوضع صعب بدون ثروة حيوانية ولا ثروة زراعية، ومع فرضية حاول أحد السكان عمل مزرعة للدجاج أو الماشية أو الأغنام، لا يسمح الاحتلال بدخول الأدوية البيطرية ومستلزمات رعاية المزارع، للحفاظ على حياة تلك الحيوانات. وعلاوة على ذلك ما تزال أسعار الخضر والفاكهة في ارتفاع، وبالمثل باقي البضائع".

الاحتكار واستغلال الحصار

الحصار ترك بصمة غائرة على أهالي غزة، روتها "صبحية" فقالت: "الحصار ما زال مستمرا، والأسعار مرتفعة جدا في كل السلع، والأغراض الشخصية والملابس والأحذية غالية بشكل جنوني، وذلك أيضا ينسحب على باقي الاحتياجات، لا سيما الغذائية التي بلغ الارتفاع في بعضها  إلى خمسة أضعاف، فبعد أن كان سعرها لا يزيد عن 3 شيكل أضحى 5- 10 شيكل، وأكثر ما يتضح ذلك في الخضر التي يكون الطلب عليها كبير مثل: الطماطم والبطاطس، حتى لا يغطي ما نملكه من مال كافة احتياجاتنا أحيانا؛

وتزيد تلك المعاناة لدى العروس المقبلة على الزواج، فكل شيء ارتفع ارتفاعًا صارخًا فبلغت مستوى خيالي، فمثلا: الحذاء الذي ستلبسه كان سعره قديمًا 50 شيكل، بلغ سعره أكثر من 200 شيكل، وبالمثل تجهيزات بيتها والأثاث وأدوات الزينة إن وجدت".

وأضافت: "ولا يمكن تفسير ذلك إلا بالاحتكار، واستغلال التجار لظروف القطاع الصعبة والحصار، ليزيدوا الطين بلة على الشعب، وحتى في المواصلات يتم إذلالنا حال لم يكن لدينا (فكة)، حتى يتم الإتجار في النقود الفكة، فيبيعك إياها بأكثر من سعرها أو مقابل زيادة عن قيمة ما تطلبيه، تماما مثل الربا، فهذا ما يحدث؛

يرفع التجار الأسعار فور أن يسمعوا أنباء إغلاق المعبر بشكل خيالي أو جنوني، فمثلا إغلاق المعبر يومين يرفع أسعار الدقيق وإغلاقه يوم ينتج عنه اختفاء المنتجات من السوق؛ وحتى حين اندلعت الحرب في إيران أضحت الأحوال لدينا سيئة للغاية، واختفت البضائع من الأسواق، على الرغم من أن الحرب لم تكن لدينا".

وهكذا يمضي قطاع غزة من الحرب والحصار، إلى الاغتيالات والخنق والحصار؛ لينتقل الشعب من حرب لحرب، وفي كل الأحوال، يقاتل الشعب الغزي الظروف المحيطة ليحيا.