في إطار ما يشهده العالم من احتفاء باليوم العالمي للإبداع والابتكار، تبرز الرؤية الشرعية في الإسلام لتضع هذا المجال الحيوي في إطاره الصحيح، حيث لا يُنظر إلى الابتكار والاختراع باعتبارهما غاية في ذاتهما، بل بوصفهما وسيلة لتحقيق المقاصد النافعة وخدمة الإنسان والمجتمع.
وتؤكد القواعد الفقهية المستقرة أن الوسائل لها أحكام المقاصد ما لم تكن الوسيلة محرمة في ذاتها وهي قاعدة تؤسس لمنهج متوازن في التعامل مع كل ما يستجد من أدوات واختراعات حديثة، بحيث يُقاس حكمها الشرعي بغايتها ونتائجها لا بمجرد وجودها أو تطورها.
فإذا كان الابتكار وسيلة لتحقيق مصلحة مشروعة نافعة، فإنه يأخذ حكم المشروعية والإباحة، بل وقد يرتقي إلى الاستحباب أو الوجوب إذا ترتب عليه نفع عام أو دفع ضرر عن الناس أما إذا استُخدم في ما هو محرم أو مفسد، فإنه يأخذ حكم ذلك الفعل من التحريم والمنع، باعتباره وسيلة موصلة إليه.
الابتكار في ميزان الشريعة
وتضع الشريعة الإسلامية ضابطًا أساسيًا لا ينفك عن أي نشاط بشري، بما في ذلك مجالات الابتكار والاختراع، وهو عدم الإضرار بالنفس أو بالآخرين، حيث تقرر القاعدة النبوية الجامعة: لا ضرر ولا ضرار، وهي أصل شرعي عظيم يضبط حركة الإنسان في كل ما ينتجه أو يبتكره.
وبهذا المعنى، فإن أي اختراع أو تقنية أو وسيلة حديثة لا تُقبل في ميزان الشريعة إذا ترتب عليها إضرار محقق أو متوقع بالإنسان أو المجتمع، سواء كان الضرر ماديًا أو معنويًا أو بيئيًا.
وتشير هذه الرؤية إلى أن الإبداع في التصور الإسلامي ليس منفلتًا من القيم أو خاضعًا للرغبات المطلقة، وإنما هو نشاط منضبط بمنظومة أخلاقية وتشريعية دقيقة، تجعل من المصلحة العامة معيارًا أساسيًا للتقييم، ومن منع الضرر أصلًا لا يقبل الاستثناء.
كما تؤكد أن الابتكار الحقيقي هو الذي يحقق التوازن بين التقدم العلمي والحفاظ على الإنسان وكرامته، فلا يُستخدم العلم وسيلة للإفساد أو الإيذاء أو الإضرار بالغير، بل وسيلة للبناء والإعمار وتحقيق الخير.