في الإسكندرية، لا تحمل الشوارع أسماءً فقط، بل تحمل حكايات، هناك شوارع تمر بها الأقدام، وأخرى تمر بها الذاكرة، ومن بينها يبرز شارع أدهم وانلي كواحد من الشوارع التي تختبئ خلف لافتتها سيرة فنان ومدينة وزمن كامل.

يمر المارة يوميًا من الشارع، بين ضجيج السيارات وأصوات الباعة وملامح الحياة اليومية، لكن قليلين من يعرفون أن هذا الاسم يعود إلى واحد من أهم رواد الفن التشكيلي في مصر، الفنان أدهم وانلي، الذي لم يرسم لوحات فقط، بل رسم روح الإسكندرية نفسها.

وُلد إبراهيم أدهم إسماعيل محمد وانلي في 25 فبراير 1908 بحي محرم بك في الإسكندرية، داخل أسرة أرستقراطية عُرفت بالثقافة والذوق الرفيع. نشأ في منزل يفيض بالفن؛ مكتبة ضخمة، ولوحات، وتحف، وحديقة واسعة، وهو ما شكّل وعيه البصري منذ طفولته. 

منذ سنواته الأولى، بدا واضحًا أن الطفل السكندري يرى العالم بعين مختلفة؛ عين تلتقط الضوء والظل، حركة البحر، وملامح الناس البسيطة. وكان شقيقه الأكبر سيف وانلي رفيق رحلته الفنية، ليشكلا معًا لاحقًا واحدًا من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ مصر. 

IMG-20260416-WA0077
لوحة من أعمال الفنان التشكيلي أدهم وانلي 

في عام 1930، التحق الشقيقان بمرسم الفنان الإيطالي أوتورينو بيكي في الإسكندرية، وهناك بدأت ملامح الموهبة تتبلور بشكل أكثر نضجًا. لم يكن بيكي يعاملهما كتلميذين فقط، بل فتح أمامهما أبواب الفن الأوروبي، والمدارس التشكيلية الحديثة، وفلسفة اللون والحركة.

اشتهر أدهم وانلي برسم المسرح والسيرك والباليه والأوبرا، وكان بارعًا في التقاط الحركة داخل اللوحة، حتى تبدو الشخصيات وكأنها على وشك أن تخرج من الإطار. راقصات الباليه، لاعبو السيرك، أضواء المسرح، كلها تحولت في أعماله إلى مشاهد نابضة بالحياة.

IMG-20260416-WA0075
وانلي في إحدى الحفلات

لكن الأهم من ذلك، أنه خرج من المرسم إلى الشارع، فرسم الإسكندرية كما عاشها الناس: البحر، مراكب الصيادين، الشوارع القديمة، الميادين، المقاهي، والوجوه العابرة، وكأنه كان يؤرّخ للمدينة بالفرشاة قبل أن تؤرّخها الكاميرا. 

هنا تكمن حكاية الشارع

بعد رحيله في 20 ديسمبر 1959، قررت الإسكندرية أن تخلّد اسم ابنها الفنان، فأطلقت اسمه على الشارع المحاذي لمرسمه، ليصبح شارع أدهم وانلي شاهدًا على سيرة رجل أحب المدينة حتى صارت جزءًا من لوحاته. 

IMG-20260416-WA0076
صورة للفنان أدهم وانلي قبل وفاته

اللافت أن الشارع اليوم لا يبدو مجرد اسم على ناصية، بل كأنه امتداد رمزي لعالمه الفني؛

مدينة تتحرك، وناس يعبرون، ومشهد يومي لا يتوقف، تمامًا كما كانت لوحاته.

ربما لا يعرف كثير من العابرين من هو أدهم وانلي، لكن يكفي أن يتوقف أحدهم أمام اللافتة ليدرك أن بعض الشوارع لا تحمل أسماء فقط، بل تحمل ذاكرة مدينة كاملة.