في إطار تحركات الدولة المصرية المكثفة لترسيخ الوعي الوطني والديني، شهدت هيئة قضايا الدولة بحدائق أكتوبر انعقاد ملتقى فكري موسع تحت عنوان «تصحيح المفاهيم وبناء الإنسان»، بمشاركة رفيعة من قيادات دينية وقضائية وفكرية، في خطوة تعكس إدراكًا متناميًا لخطورة التحديات الفكرية التي تواجه المجتمع.
وجاءت مشاركة الأستاذ الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، في هذا الملتقى، تأكيدًا على الدور المحوري الذي تضطلع به المؤسسات الدينية في دعم مسار الدولة نحو بناء إنسان واعٍ، قادر على التمييز بين الحقائق والشائعات، وبين صحيح الدين وما يختلط به من مفاهيم مغلوطة.
ويأتي تنظيم الملتقى برعاية الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وضمن تعاون مؤسسي متكامل بين المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وهيئة قضايا الدولة، والمجلس الوطني للتدريب، بما يعكس نموذجًا للتنسيق بين أجهزة الدولة في معركة بناء الوعي.
ترحيب قضائي وتأكيد على أهمية بناء الوعي المجتمعي
في مستهل الفعاليات، رحّب المستشار الدكتور حسن قرني الشريف، رئيس قطاع الإدارية العليا بحدائق أكتوبر، بالحضور، مؤكدًا أن مثل هذه اللقاءات تمثل ركيزة أساسية في دعم جهود الدولة الرامية إلى ترسيخ الوعي الحقيقي لدى المواطنين.
وأشار إلى أن التحديات الراهنة لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو السياسية، بل امتدت إلى معركة أكثر تعقيدًا تتعلق بالعقول والأفكار، ما يستوجب تكاتف المؤسسات كافة، خاصة الدينية والقضائية، لتقديم خطاب متزن يعيد ضبط بوصلة الفهم لدى المجتمع.
تنسيق مؤسسي واسع لنشر الوعي وتصحيح المفاهيم
من جانبه، كشف الدكتور محمد السيد، المدير التنفيذي للمجلس الوطني للتدريب، عن وجود تنسيق على أعلى مستوى بين وزارة الأوقاف ومختلف مؤسسات الدولة، بهدف نشر الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تتسلل إلى عقول المواطنين.
وأكد أن هذا التعاون لا يقتصر على الجانب النظري، بل يمتد إلى برامج تدريبية وتثقيفية تستهدف مختلف الفئات، بما يسهم في خلق جيل أكثر إدراكًا لطبيعة التحديات، وأكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة.
وفي السياق ذاته، شدد اللواء عماد اليماني، مدير إدارة التخطيط بالمجلس الوطني للتدريب، على أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات، معتبرًا أن بناء الإنسان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال رؤية شاملة تتضافر فيها الجهود التعليمية والدينية والثقافية.
حضور قضائي وفكري يعكس أهمية الحدث
وشهد الملتقى حضور عدد من القيادات القضائية البارزة، من بينهم المستشار مصطفى فاروق أحمد، والمستشار محمد عبد المنعم، والمستشار رفعت القلاوي، في مشهد يعكس اهتمامًا واسعًا من مختلف مؤسسات الدولة بقضية الوعي وتصحيح المفاهيم، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الفكرية.
«الدين» و«التدين».. تفكيك الخلط المفاهيمي
في كلمته، طرح الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية رؤية تحليلية عميقة لأحد أبرز الإشكاليات الفكرية في المجتمع، وهي الخلط بين «الدين» و«التدين».
وأوضح أن الدين يمثل منظومة متكاملة من العلوم الشرعية واللغوية والقيمية، في حين أن التدين هو السلوك الإنساني الذي يعكس مدى التزام الفرد بتلك المنظومة في حياته اليومية.
وأشار إلى أن هذا الخلط، الذي يتفاقم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أدى إلى اضطراب في معايير الحكم على الأشخاص، حيث يتم أحيانًا الخلط بين أهل العلم الحقيقيين وبين من يظهرون بمظاهر التدين دون امتلاك أدوات الفهم الصحيح.
حروب الجيلين الرابع والخامس.. استهداف العقول قبل الأوطان
وفي تحليل لافت، تطرق الدكتور أحمد نبوي إلى طبيعة الحروب الحديثة، مؤكدًا أن ما يُعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس بات يركز على استهداف العقول ونشر الجهل، بدلًا من المواجهات التقليدية.
وأوضح أن هذه الحروب تعتمد على بث الإحباط واليأس، والتشكيك في الثوابت الدينية والوطنية، بهدف تفكيك المجتمعات من الداخل، وهو ما يجعل من معركة الوعي أولوية قصوى لا تقل أهمية عن أي مواجهة أخرى.
التثبت من الأخبار.. واجب ديني ووطني
وشدد الأمين العام على أن الإسلام وضع منهجًا واضحًا في التعامل مع الأخبار، قائمًا على التثبت والتحقق قبل إصدار الأحكام أو تداول المعلومات، مستشهدًا بقول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...}.
وأكد أن التسرع في نشر الأخبار دون تحقق لا يُعد مجرد سلوك خاطئ، بل قد يصل إلى كونه جريمة في حق الدين والوطن، لما يترتب عليه من آثار خطيرة، أبرزها نشر الفتن وزعزعة الاستقرار.
«الترند» بين الإثارة وهتك الخصوصية
وفي محور شديد الأهمية، تناول الدكتور أحمد نبوي ظاهرة «الترند» على مواقع التواصل الاجتماعي، منتقدًا اعتمادها في كثير من الأحيان على كشف الأسرار وانتهاك الخصوصيات لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.
وأوضح أن هذا السلوك يتناقض مع المنهج النبوي القائم على الستر، محذرًا من الانسياق وراء المحتوى المثير الذي قد يحقق انتشارًا سريعًا، لكنه يحمل في طياته أضرارًا جسيمة على الفرد والمجتمع.
وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في نقل كثير من الأحاديث الخاصة إلى المجال العام، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الأسرية وارتفاع معدلات التوتر والسخط، بل وزيادة نسب الطلاق في بعض الحالات.