تُعد مسألة تصرف الزوجة في مال زوجها دون علمه من القضايا التي تتكرر في الواقع الأسري، وتثير جدلًا واسعًا بين الناس، خاصة في الحالات التي تشعر فيها بعض الزوجات بوجود تقصير في النفقة أو عدم عدالة في توزيع المصروفات داخل الأسرة.
وفي هذا السياق، جاءت الفتاوى الصادرة عن علماء الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية لتضع إطارًا واضحًا وحاسمًا يضبط هذه المسألة، مؤكدين أن العلاقة الزوجية تقوم على الأمانة والوضوح والالتزام بالحقوق والواجبات، وأن تجاوز هذه القواعد يفتح بابًا للخلافات ويهدد استقرار الأسرة.
أكدت الدكتورة هبة إبراهيم، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن القاعدة الشرعية العامة تقضي بعدم جواز أن تأخذ الزوجة من مال زوجها دون علمه أو إذنه، حتى وإن شعرت بأنه مقصر في بعض الجوانب أو لا يحقق لها ما تطمح إليه من احتياجات شخصية.
وأوضحت أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط دقيقة للعلاقة المالية داخل الأسرة، تقوم على الالتزام والوضوح، وليس على الاجتهاد الفردي أو تقدير أحد الطرفين وحده.
وأضافت أن قيام الزوجة بأخذ المال دون إذن يُعد تصرفًا غير مشروع شرعًا، لأنه يتجاوز حق الملكية، ويخل بمبدأ الثقة الذي تقوم عليه الحياة الزوجية، حتى في الحالات التي ترى فيها الزوجة أن هناك تفضيلًا من الزوج لأطراف أخرى في الإنفاق أو إدارة المال.
وشددت على أن المقارنة بين إنفاق الزوج على الآخرين وبين ما يُصرف على الزوجة لا تُعد مبررًا شرعيًا لتجاوز الضوابط، لأن الأصل هو الرجوع إلى الحوار والمطالبة بالحقوق بشكل مباشر وواضح.
الحوار الزوجي.. الطريق الشرعي لحل الخلافات المالية
وفي سياق التوجيهات الشرعية، دعت الفتوى إلى ضرورة اعتماد لغة الحوار داخل الأسرة، باعتبارها الوسيلة الأولى والأساسية لحل أي إشكال يتعلق بالمال أو النفقة.
وأشارت إلى أن الزوجة إذا شعرت بعدم كفاية المصروف أو وجود تقصير، فعليها أن تطرح الأمر بشكل هادئ وصريح، بعيدًا عن الانفعال أو التصرفات الفردية، مع محاولة الوصول إلى حلول مشتركة تراعي ظروف الزوج المالية وتحقق في الوقت نفسه احتياجات الأسرة.
كما نبهت إلى أن اللجوء إلى أخذ المال دون إذن قد يؤدي إلى توتر العلاقة الزوجية وخلق فجوة من عدم الثقة، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة التي تهدف إلى بناء أسرة مستقرة قائمة على المودة والرحمة.
وفي المقابل، أوضحت دار الإفتاء المصرية، على لسان الشيخ عويضة عثمان، مدير إدارة الفتوى الشفوية وأمين الفتوى، أن الحكم الشرعي يتغير في حالة واحدة محددة، وهي إذا امتنع الزوج عن الإنفاق الواجب أو قَصَّر في تلبية الاحتياجات الأساسية للزوجة والأبناء.
وبيّن أن الزوجة في هذه الحالة لا تُترك دون حماية شرعية، بل أباح لها الإسلام أن تأخذ من مال زوجها “بالمعروف”، أي بالقدر الذي يحقق الكفاية الضرورية فقط، دون زيادة أو إسراف.
واستندت دار الإفتاء في ذلك إلى واقعة مشهورة في السنة النبوية، حين جاءت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان إلى النبي ﷺ تشكو بخل زوجها وعدم إعطائها ما يكفيها وولدها، فقال لها النبي ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وهو نص صريح يُعد أصلًا في هذا الباب الفقهي.
تفصيل الضوابط: الكفاية لا الرفاهية
وأكدت الفتاوى أن هذا الاستثناء لا يُفهم على أنه إذن مفتوح للزوجة بالتصرف في مال الزوج، بل هو مقيد بشروط دقيقة، أبرزها:
وجود حاجة فعلية أو تقصير واضح في النفقة.
أن يكون الأخذ في حدود الضرورة أو الكفاية فقط.
عدم تجاوز ما يحقق الحد الأدنى من المعيشة.
تجنب أي إسراف أو استخدام غير مشروع للمال.
وبذلك، فإن الإباحة هنا ليست مطلقة، وإنما استثناء محدود يهدف إلى رفع الضرر عن الزوجة والأبناء، دون الإخلال بحقوق الزوج المالية.
حالات لا يباح فيها الأخذ من المال
أوضحت الفتاوى كذلك أن هناك حالات لا يجوز فيها للزوجة مطلقًا أخذ المال دون إذن، ومن أبرزها:
إذا كان الزوج ينفق بالفعل على البيت ويوفر الاحتياجات الأساسية.
إذا كان الخلاف متعلقًا برغبات إضافية غير ضرورية.
إذا كان الدافع هو المقارنة بين إنفاق الزوج على الآخرين وبينها.
إذا كان بالإمكان حل الخلاف عبر الحوار أو الطلب المباشر.
وفي هذه الحالات، يكون التصرف المالي دون إذن مخالفًا للضوابط الشرعية، حتى وإن شعرت الزوجة بعدم الرضا الكامل عن مستوى الإنفاق.
البعد الأخلاقي والاجتماعي في الفتوى
لم تقتصر الفتاوى على الجانب الشرعي فقط، بل امتدت لتشمل البعد الأخلاقي والاجتماعي، حيث شددت على أن استقرار الأسرة لا يقوم فقط على الحقوق القانونية، بل أيضًا على حسن المعاشرة والتفاهم والتقدير المتبادل.