مع اقتراب موعد الاحتفال بشم النسيم لعام 2026، عاد الجدل مجددًا ليتصدر منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى في هذه المناسبة مجرد عادة اجتماعية مصرية قديمة، وبين من يذهب إلى اعتبارها بدعة لا يجوز الاحتفال بها. هذا الجدل المتكرر كل عام يدفع قطاعًا واسعًا من المواطنين إلى البحث عن الرأي الشرعي الحاسم، خاصة مع ارتباط المناسبة بعادات متوارثة مثل الخروج إلى الحدائق، وتلوين البيض، وتناول أطعمة تقليدية كالفسيخ والرنجة.
وفي خضم هذا الجدل، جاء رد دار الإفتاء المصرية ليضع حدًا للتساؤلات، مقدمًا رؤية فقهية واضحة تستند إلى أصول الشريعة ومقاصدها.
أكدت دار الإفتاء المصرية، في فتوى رسمية منشورة عبر موقعها الإلكتروني، أن الاحتفال بشم النسيم لا يُعد من المحرمات، بل يندرج ضمن الممارسات الاجتماعية التي لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية.
وأوضحت أن هذه المناسبة لا ترتبط بأي طقوس دينية تخالف الشريعة، ولا تحمل في مضمونها معتقدات تمس ثوابت الإسلام.
وشددت الدار على أن الأنشطة المرتبطة بشم النسيم، مثل الخروج للتنزه في الربيع، وصلة الأرحام، وزيارة المتنزهات، وممارسة بعض العادات الشعبية كصبغ البيض وتناول الأطعمة التقليدية، كلها أمور مباحة شرعًا، طالما خلت من أي ممارسات محرمة أو اعتقادات فاسدة.
الاستدلال التاريخي: جذور ممتدة لا تتعارض مع الإسلام
وفي سياق دعم رأيها، استندت دار الإفتاء إلى شواهد تاريخية تعكس قبول هذه المظاهر الاجتماعية في المجتمع الإسلامي منذ قرون. فقد أشارت إلى ما ورد عن الصحابي الجليل عمرو بن العاص، والي مصر في عهد عمر بن الخطاب، حيث كان يحث المصريين على الخروج للاحتفال بقدوم الربيع في نهاية الشتاء وبداية الموسم الجديد.
وقد وردت هذه الروايات في عدد من المصادر التاريخية، مثل كتاب "فتوح مصر والمغرب" لابن عبد الحكم، و"فضائل مصر وأخبارها" لابن زولاق، وهو ما يعكس أن هذه الممارسات لم تكن موضع إنكار في العصور الإسلامية الأولى، بل كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية الطبيعية.
توضيح فقهي: الفرق بين العبادات والعادات
من جانبه، أوضح الشيخ أحمد وسام، أن حصر الأعياد الشرعية في الإسلام على عيدي الفطر والأضحى لا يعني تحريم الفرح أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية والإنسانية.
وأشار إلى أن الإسلام يفرق بوضوح بين "العبادات" التي تتطلب نصًا شرعيًا، و"العادات" التي يُباح فيها الأصل ما لم يرد نص بالتحريم. ولفت إلى أن الاحتفال بشم النسيم لا يُقصد به التعبد، بل هو تعبير عن الفرح بقدوم الربيع وتجدد مظاهر الحياة، وهو أمر لا يتعارض مع روح الشريعة.
“أيام الله” والفرح المشروع: قراءة في المفهوم الديني
وفي تفسير أوسع، استشهد أمين الفتوى بقوله تعالى: "وذكّرهم بأيام الله"، مؤكدًا أن هذه الأيام لا تقتصر فقط على المناسبات الدينية، بل تشمل كل ما يذكّر الإنسان بنعم الله وتجدد الحياة.
وأوضح أن مظاهر الاحتفال بشم النسيم، من خروج إلى الطبيعة واستمتاع بالهواء النقي، ورؤية الخضرة والنماء، كلها تعكس قدرة الله في الكون، وتدفع الإنسان للتأمل والشكر، وهي معانٍ تتسق مع مقاصد الدين.
عادات بلا طقوس دينية: تفنيد الشبهات
وردًا على بعض الآراء التي تربط بين بعض مظاهر شم النسيم وطقوس دينية قديمة، شدد الشيخ أحمد وسام على أن هذه الممارسات، مثل تلوين البيض أو تناول الفسيخ والرنجة، لا تحمل أي دلالات عقدية في السياق المعاصر.
وأكد أن أحدًا لا يعتقد في قدسية هذه الأفعال أو ارتباطها بعبادة معينة، وبالتالي لا يمكن تصنيفها ضمن البدع أو المحرمات، بل هي عادات اجتماعية بحتة فقدت أي دلالات دينية قديمة إن وجدت.
وفي لهجة انتقادية، استنكر أمين الفتوى ما وصفه بمحاولات بعض الأفراد التضييق على الناس في مناسبات الفرح، معتبرًا أن هذا التوجه لا يعكس روح الإسلام السمحة.
وأشار إلى أن المجتمع المصري بطبيعته يميل إلى الفرح والاحتفال، وأن هذه السمة لا تتعارض مع التدين، بل تعكس جانبًا إنسانيًا مهمًا، طالما بقيت في إطارها المشروع.