في تطور فقهي مهم يلامس قضايا الواقع المعاصر للجاليات المسلمة، أصدر نظير عياد، مفتي الجمهورية، فتوى شرعية مفصلة حسمت الجدل الدائر حول حكم بيع أعيان الوقف، وعلى رأسها المساجد، واستبدالها بمقار أخرى أكثر اتساعًا وقدرة على استيعاب أعداد المصلين.
وجاءت هذه الفتوى استجابة لاستفسار تقدّم به القائمون على أحد المساجد في دولة غير إسلامية، يعاني من ضيق المساحة وعدم القدرة على التوسع في موقعه الحالي، نتيجة قيود قانونية وتنظيمية حالت دون تطويره بما يلبي احتياجات الجالية المسلمة المتزايدة.
أكد مفتي الجمهورية في مستهل فتواه أن الأصل في المسجد أنه وقف خالص لله تعالى، وهو ما يجعله محاطًا بسياج شرعي صارم يمنع بيعه أو التصرف فيه بأي صورة من صور التمليك أو التنازل، طالما ظل قائمًا يؤدي وظيفته الأساسية في إقامة الشعائر وخدمة المصلين.
وشدد على أن هذا الأصل يمثل قاعدة راسخة في الفقه الإسلامي، تهدف إلى الحفاظ على قدسية الوقف واستدامته، باعتباره أحد أهم أوجه البر التي تستمر منفعتها عبر الزمن.
الاستثناء بضوابط: الشريعة توازن بين الثبات والمصلحة
ورغم هذا الأصل، أوضح المفتي أن الشريعة الإسلامية لا تقف عند حدود الجمود، بل تتسم بالمرونة التي تتيح تحقيق مصالح العباد في إطار الضوابط الشرعية.
وفي هذا السياق، أجازت الفتوى بيع الوقف واستبداله، ولكن في حالات استثنائية محددة، تخضع لشروط دقيقة تضمن عدم الإخلال بمقاصد الوقف أو التفريط في حقوقه.
شروط الجواز: تعذر الانتفاع أو وجود مصلحة راجحة
فصّلت الفتوى الضوابط التي يُبنى عليها جواز بيع المسجد أو استبداله، حيث أكدت أن ذلك لا يكون جائزًا إلا في حالتين أساسيتين:
تعذر الانتفاع بالمسجد في موقعه الحالي، سواء بسبب ضيق المساحة أو استحالة التوسع أو عوائق قانونية تحول دون تطويره.
تحقق مصلحة حقيقية وراجحة تعود بالنفع على الموقوف عليهم، على أن تكون هذه المصلحة مؤكدة وليست مجرد افتراض أو احتمال.
وشدد المفتي على ضرورة التحقق الدقيق من هذه الشروط، حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، أو يُفتح باب للتفريط في أعيان الوقف.
الأنفع للوقف: معيار حاسم في قرار الاستبدال
من أبرز ما ركزت عليه الفتوى، أن أي عملية استبدال يجب أن تحقق معيارًا جوهريًا، وهو أن يكون البديل “أنفع للوقف” من الموقع الأصلي.
ويعني ذلك أن يكون المسجد الجديد:
أكثر اتساعًا وقدرة على استيعاب المصلين
أفضل من حيث الموقع والخدمات
أكثر تحقيقًا لمقصد الواقف في خدمة الدين والمجتمع
هذا الشرط يعكس بوضوح أن الهدف ليس مجرد نقل الوقف، بل تطويره بما يحقق غايته على نحو أفضل.
دعم للجاليات المسلمة: حلول شرعية لتحديات الواقع
تكتسب هذه الفتوى أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها الجاليات المسلمة في الدول غير الإسلامية، حيث تعاني كثير من المساجد من ضيق المساحات أو القيود القانونية التي تعوق التوسع.
وتمنح هذه الرؤية الفقهية المرنة تلك الجاليات مساحة للتحرك وتطوير مؤسساتها الدينية والاجتماعية، بما يتناسب مع الزيادة السكانية واحتياجات المسلمين في تلك المجتمعات.
بين الحفاظ والتطوير: معادلة دقيقة لصون الوقف
تعكس فتوى مفتي الجمهورية محاولة جادة لتحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على قدسية الوقف كقيمة دينية راسخة، وبين الاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير.
فهي لا تفتح الباب على مصراعيه لبيع المساجد، لكنها في الوقت ذاته لا تغلقه تمامًا، بل تضع ضوابط صارمة تضمن أن يكون أي تصرف في الوقف خاضعًا لمعيار المصلحة الشرعية الحقيقية.