قبل عدة أيام أعلن حزب الله اللبناني أنه نجح في تدمير 21 دبابة ميركافا إسرائيلية وثلاثة جرافات وعربتين عسكريتين من طراز "هامفيز" في جنوب لبنان. وتم تنفيذ هذه الهجمات باستخدام طائرات مسيرة انتحارية صغيرة جدا محملة بشحنة متفجرة ومجهزة بكاميرا تسقط فوق الدبابات والعربات العسكرية الإسرائيلية التي اجتاحت جنوب لبنان، ونشر الحزب مقاطع فيديو تظهر هذه العمليات. 

ولهذا تساءل المحللون الغربيون .. هل غيّر حزب الله تكتيكاته العسكرية في مواجهته المتجددة مع الجيش الإسرائيلي وطوّرها تكنولوجيا؟ 

وأكد موقع ديفنس نيوز الأمريكي المختص في الشؤون العسكرية أن هذه الصور تظهر استخدام أساليب معروفة عن القوات الأوكرانية لاستهداف القوات والتجهيزات العسكرية الروسية في الحرب المستمرة منذ 2022.

"السر" في حرب أوكرانيا

جلب استخدام هذا النوع من المسيرات الأنظار بعد استخدامها على نطاق واسع في النزاع الروسي الأوكراني. وأكدت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في وقت سابق بأنها كانت السبب في أكبر قدر من الخسائر في ساحات القتال بأوكرانيا.

من جانبه أكد موقع قناة إي 24 نيوز الإسرائيلي أن جيش الدولة العبرية أقر بسقوط عدة جرحى في صفوف جنوده بسبب هذه الهجمات.

وذكرت القناة الإسرائيلية أن الحزب اللبناني بدأ في استخدام هذه التكتيكات الحربية في عام 2024 ولكن على نطاق ضيق. قبل أن تمثل سلاحا استراتيجيا له في الحرب الجديدة التي بدأت في 2 مارس بعد إطلاقه صواريخ على إسرائيل في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

عن خصائص هذه المسيرات، يقول العميد اللبناني المتقاعد علي أبي رعد أنها تضم جهاز كاميرا تسمح لمن يقوم بتسييرها برؤية مجال الطيران "كأنه يقودها في السماء".

ويضيف أبي رعد: "المحلقة الانقضاضية المسيرة قليلة التكلفة وذات فعالية عالية تصنع من مواد خفيفة جدا مثل الكاربوـ فايبر والألمنيوم. كما أنها تعمل بمحرك كهربائي وبطارية ليثيوم ما يجعلها أقل ضجيجا من المسيرات الميكانيكية. ويمكن توجيهها عبر الأقمار الاصطناعية كما أنها يمكن أن تستخدم في الظلام بكاميرات ليلية".

المسيرات تعوض صواريخ الكورنيت

في السابق، كان حزب الله يستهدف المدرعات الإسرائيلية بصواريخ موجهة مضادة للدبابات التي تكلف أموالا أكثر فيما تعد المسيرات الصغيرة الانتحارية قليلة التكلفة. فالحزب متعود تقليديا على استخدام صواريخ كورنيت مضادة للدبابات روسية الصنع في مواجهاته السابقة مع إسرائيل. كما استخدم في السابق أنظمة "ألماس" الصاروخية، وهي النسخة الإيرانية من صواريخ سبايك الإسرائيلية، التي قام الحرس الثوري بهندستها عكسيا. ويعرف هذا السلاح الهجومي بنجاعته ودقته العاليتين.

وفي مقاطع فيديو نشرها الحزب في 26 مارس ، نرى مسيرات صغيرة من نوع "إف بي في FPV" تضرب نقاط الضعف في دبابات ميركافا (ملاحظة المحرر: تعرف دبابات ميركافا بقدرتها على مواجهة المقذوفات التي تصيب جنباتها، وتعد فتحة دخول الجنود في الأعلى وجنزيرها نقطة ضعفها).

سلاح مناسب لتضاريس جنوب لبنان الوعرة

هنا، يقول أبي رعد بأن الرأس الحربي الذي يوضع على ظهرها ذو الشكل المخروطي، يجعلها "أشبه بقذيفة أر بي جي  خصوصا مع غلافها النحاسي الذي يعطي قوة أكبر للانفجار". ويضيف "يمكن لهذه المسيرات أن تتعقب وتصطاد الدبابات والعربات العسكرية. حسب المشاهد التي بثها حزب الله لاستهداف ناقلة جنود، نرى الطيار عن بعد الذي يتحكم بهذه المسيرة وجهها إلى مؤخرة العربة والانفجار الكبير الذي رأيناه يمكن أن يكون لأن هذه الآلية كانت تحمل متفجرات".

ويضيف أبي رعد: "لجوء حزب الله للمسيرات يعود لتخفيف الكلفة وترشيد استخدام صواريخ ألماس 2 وكورنيت، تحسبا لطول المعركة في ظل الفوارق العسكرية بين الجانبين. كما أن التضاريس الوعرة في جنوب لبنان، حيث التلال والوديان والطرق المتعرجة، تجعل المسيرة الانقضاضية الصغيرة تسير بانسيابية أفضل في زوايا صعبة لا تستطيع الصواريخ والمسيرات الكبيرة التحرك فيها بسهولة ودقة".

"كابوس للجيش الإسرائيلي"

على الرغم من إمكانياته التكنولوجية الفائقة في التعقب ورصد الأهداف المعادية، لم ينجح الجيش الإسرائيلي في صد هذه المسيرات. ويعود ذلك إلى استخدام كابلات من الألياف البصرية في عملية توجيه هذا المسيرات وهو ما يصعب مهمة التشويش عليها من قبل الرادرات الإسرائيلية. 

يعتبر علي أبي رعد أن هذه المسيرات "لا يمكن رصدها أو التشويش عليها أو إسقاطها بحكم وجود أجهزة استشعار وتشويش عليها. كما تسمح لحزب الله بضرب أهداف نوعية في أماكن محمية مثل الدبابات المتحركة وإصابتها بدقة عالية، يمكن للشخص الذي يقودها أن يسيرها على ارتفاع أمتار قليلة عن الأرض... من متر إلى مترين، وهو ما يسمح باستخدامها أيضا في المراقبة والاستطلاع لأنها لا يمكن كشفها من الرادارات وحتى من الدفاعات الجوية. لكن هذه المسيرات تحتاج لمهارة فائقة وبرودة أعصاب حتى يمكن من يوجهها من إصابة الهدف".

للتعامل مع هذه المسيرة، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى استخدام شبكات حديدية فوق الآليات لمنع هذا النوع من المسيرات من اختراقها، إلا أن علي أبي رعد يؤكد أن "مقاتلي حزب الله تمكنوا، وفق الصور التي نشرها الحزب، من تجاوز هذه الشبكات بفضل حسن قيادتهم للمسيرة. إذ رأينا في مقطع فيديو كيف قاموا بتوجيه المسيرة إلى جنزير (سلسلة) الدبابة وهو ما يعني إعطابها وإخراجها عن الخدمة، هذه المسيرات باتت تشكل كابوسا عسكريا وإعلاميا للجيش الإسرائيلي وخاصة عناصر المشاة عندما يكونون خارج آلياتهم بحكم قوتها التفجيرية".

بالإضافة إلى قدرتها على استخدام نقاط الضعف في العربات العسكرية، فإن هذا النوع من المسيرات الانتحارية صغيرة الحجم يمثل سلاحا دعائيا مهما بما أنها مجهزة بآلة تصوير، ما يمكن مطلقيها من تصوير لحظة إصابة الآليات المستهدفة.

يخلص الخبير العسكري اللبناني إلى القول إن مدى هذه المسيرات يصل إلى 45 كيلومترا "ما يجعل حزب الله قادرا على نقل المعركة إلى أراضي الدولة العبرية، هذه المسيرات أصبحت جزءا مهما لاستراتيجيات كل الجيوش في العالم، في ظل الخسائر الكبيرة التي يمكن أن تتسبب بها، وهنا نذكر استهداف مطعم معسكر لواء جولاني بمزارع شبعا الذي تسبب في سقوط عدد كبير من القتلى"