في مباحثات استمرت لساعات طويلة، عقد وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان يوم الأحد الماضي، الموافق 28 مارس 2026، اجتماعًا موسعًا في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تناول خلاله تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

إذا كان الحديث عن نشوء نواة (تحالف رباعي) صحيحًا، فإن أهميته لا تقتصر على البعد السياسي، بل تشمل الثقل العسكري الكبير لهذه الدول مجتمعة. فكل قوة منها تختلف في طبيعة إمكاناتها، لكن اجتماعها يوفر مزيجًا نادرًا يجمع الثقل البشري، القدرات الجوية، العمق الصناعي، التمويل، الخبرة القتالية، والانتشار الجغرافي. 

ووفق تقديرات 2026، تمتلك الدول الأربع أكثر من 1.4 مليون جندي عامل، إضافة إلى مئات الآلاف في الاحتياط والقوات شبه العسكرية، ما يجعل التكتل أحد أكبر التجمعات العسكرية عالميًا من حيث الحجم والقدرة على الاستمرار في نزاع طويل.

انطلاقًا من هذه المعطيات، أجرى "اليوم" حوارًا موسعًا مع السفير يوسف زاده، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية وسفير مصر السابق في نيويورك، لاستطلاع رؤيته حول طبيعة هذا التحالف الرباعي، مستوياته العسكرية والسياسية، وإمكانية تحوله من مجرد منصة تنسيق إلى قوة إقليمية قادرة على إعادة التوازن في المنطقة.

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان

سيادة السفير، في ضوء الاجتماع الرباعي في إسلام آباد، والذي لوّح بإمكانية تشكّل تحالف رباعي، هل ما يحدث مجرد تنسيق سياسي مؤقت أم نواة لتحالف استراتيجي قابل للتطور؟ وما المؤشرات الفعلية لكل اتجاه؟

الاجتماع الذي عُقد في إسلام آباد، إلى جانب اجتماعات أخرى غير معلنة، يُظهر أن التحالف الرباعي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان لا يزال في مرحلة التكوين. والتحالف لم يصل بعد إلى مستوى رسمي كامل، لكنه ليس مجرد تنسيق عادي بين الدول الأربع. 

باكستان، كونها الدولة النووية الوحيدة، تُضفي وزنًا استراتيجيًا مهمًا على هذا التكتل، خصوصًا مع خبرتها العسكرية والتسليحية، في مواجهة الهند وغيرها من التحديات الإقليمية.

التباينات بين الدول الأربع ليست قوية، فقد رأينا موقف تركيا من الحرب على غزة، وكذلك الموقف السعودي المعروف، وباكستان تتقارب مع نفس الرؤية في الملفات الإقليمية، مما يوفر أرضية مشتركة للعمل. 

والمؤشرات الفعلية لتطور هذا التعاون تتجلى في الاجتماعات المتكررة، والتنسيق السياسي العميق، مع وجود تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة، لكنها ما زالت محدودة مقارنة بتحالفات عسكرية رسمية مثل حلف (الناتو).

 رغم الثقل العسكري والبشري والاقتصادي للدول الأربع، كيف يمكن تجاوز التباينات السياسية والتاريخية بينها لضمان استمرارية التحالف؟

الدول العربية دائمًا تواجه تحديات في تجاوز الخلافات التاريخية والسياسية. من ناحيتنا، مصر ليست لديها خلافات جوهرية، لكن بعض دول الخليج ربما كانت تنتظر خطوات واضحة من الشركاء. 

والتجارب التاريخية مثل مقترح التحالف العربي 2015، ومحاولة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، توضح أن التحالفات تحتاج إلى وقت طويل لبناء الثقة وتجاوز الخلافات.

كل دولة من الدول الأربع تتمتع بنفوذ إقليمي مستقل: السعودية في الخليج، باكستان في كشمير وتعاملها مع طالبان والهند، مصر في السودان واليمن، وتركيا في سوريا وعلاقاتها مع إسرائيل. هذا التنوع في النفوذ يجعل التحالف مرنًا وقادرًا على التأثير في مختلف الملفات الإقليمية، بشرط وجود إدارة ذكية للتنسيق.

والسرية في الاجتماعات والزيارات بين القادة أيضًا عنصر مهم، للحفاظ على المصداقية وحماية مصالح الدول المشاركة، كما رأينا في زيارات الرئيس السيسي للرياض وأبوظبي، وزيارات أخرى غير معلنة لرؤساء الدول.

إلى أي مدى يمكن لهذا التحالف أن يعمل باستقلالية عن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، وهل سيظل مقيدًا بتوازنات دولية معقدة؟

من الناحية الواقعية، العالم يديره تحالفات كبرى، على رأسها الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي. 

تركيا عضو في حلف الناتو، وهذا يضع قيودًا واضحة على أي استقلالية كاملة للتحالف الرباعي. بمعنى آخر، التحالف لا يمكنه التحرك بمعزل عن القوى الكبرى، لكنه يمكن أن يكون منصة قوية للتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني ضمن حدود هذه التوازنات الدولية.

كيف يمكن أن يؤدي هذا التحالف دور قوة ردع في مواجهة مخططات تقسيم المنطقة؟

على الأرض، لا تزال القدرات العسكرية والنووية والسياسية منفصلة، ولا توجد قوة رادع موحدة. باكستان تمتلك القدرة النووية، مصر تمتلك ثقلًا عسكريًا مهمًا، السعودية تمتلك قدرة تمويلية كبيرة، وتركيا عضو في الناتو، لكن هذه القدرات لم تُدمج بعد عمليًا في إطار مشترك. 

والتعاون العسكري موجود بالفعل، لكن بدرجة محدودة، والتنسيق السياسي هو العامل الأبرز حاليًا، مع التدريبات والمناورات المشتركة التي تبقى رمزية إلى حد كبير.

هل الحرب مع إيران أو التوترات الإقليمية تشكل عائقًا أمام مسار التحالف؟

الحرب الحالية مع إيران تؤثر على شكل وتطور التحالف. إيران تحاول إثبات قوتها في البرنامج النووي وقدراتها الصاروخية، والسيطرة على مضيق هرمز. 

هذه التحديات تجعل أي تحرك عسكري كبير للتحالف صعبًا في الوقت الراهن. ومع ذلك، لا توجد قطيعة كاملة، فهناك اتصالات وزيارات متبادلة بين الدول الأربع لإدارة الملفات الحساسة. 

السعودية أعادت العلاقات الدبلوماسية مع طهران، ومصر وتركيا لديهما اتصالات مهمة، مما يعكس حرص الأطراف على توازن سياسي واستراتيجي دون تصعيد مباشر.

أما عن علاقة مصر وإيران، لا يوجد تمثيل دبلوماسي ولكن هناك اتصالات بين الرئيس الإيراني والرئيس المصري بالإضافة إلى زيارات متعددة بين وزراء الخارجية. 

برأيكم، ما الشروط السياسية والاستراتيجية لانتقال الرباعي من "منصة تنسيق" إلى تحالف إقليمي قادر على إعادة التوازن؟

هذا التحول يتطلب عدة شروط رئيسية: أولًا، انتهاء الأزمات الكبرى مثل الحرب الحالية في المنطقة، ثانيًا، وجود إرادة سياسية واضحة من الدول الأربع لتوسيع نطاق التعاون، ثالثًا، بناء مؤسسات للتعاون المشترك، رابعًا، وجود ثقة متبادلة لإدارة الخلافات التاريخية والإقليمية. 

والتحالف لن يصبح تحالفًا عسكريًا ملزمًا في المدى القريب، لكنه يمكن أن يتطور تدريجيًا كإطار سياسي واستراتيجي مرن قادر على تحقيق التوازن في الشرق الأوسط بشكل مدروس، دون إثارة توترات مباشرة مع القوى الكبرى.

إذًا، ما هو الهدف الأساسي لهذا التحالف في الوقت الحالي؟

الهدف الرئيسي الآن هو التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الدول الأربع لمواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك الأزمات الإقليمية، وتهديدات القوى الإقليمية، والحفاظ على الأمن والاستقرار في مناطق النفوذ لكل دولة. 

وكذلك التعاون العسكري موجود، لكنه ليس الغاية الرئيسية، وإنما وسيلة لدعم التنسيق السياسي، مع الحفاظ على مرونة التحرك وعدم الدخول في صراعات لا تخدم مصالح الأطراف مباشرة.

اقرأ أيضًا:: الشراكة أم التحالف؟ مثلث مصر–تركيا–السعودية في معادلة الأمن الإقليمي