يشهد الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة ملامح إعادة تموضع لافتة في شبكة العلاقات الإقليمية، مع تسارع التقارب بين مصر وتركيا والسعودية. بما يثير تساؤلات عميقة حول ما إذا كان هذا المسار يعكس تحولاً إستراتيجيًا دائمًا في موازين القوة، أم أنه لا يزال في إطار تفاهمات مرنة فرضتها تطورات إقليمية ضاغطة، وفي مقدمتها الحرب في غزة وما أعقبها من ارتدادات أمنية وسياسية.

القمة المصرية–التركية في القاهرة، التي سبقتها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض، شكّلت نقطة مفصلية في مسار عودة العلاقات بين القاهرة وأنقرة، حيث أعلن الطرفان توافقًا في الرؤى بشأن قضايا إقليمية أساسية. وعلى رأسها القضية الفلسطينية، مع التأكيد على توسيع التعاون ليشمل المجالات الأمنية والعسكرية إلى جانب التعاون السياسي والاقتصادي. 

هذا التزامن في الحراك الدبلوماسي عكس إدراكًا مشتركًا لدى العواصم الثلاث بأن إدارة التحديات المتصاعدة تتطلب تنسيقًا أعمق بين القوى الإقليمية الكبرى.

مثلث القاهرة والرياض وأنقرة

يعكس هذا التقارب الثلاثي توجهًا نحو بناء شراكة إستراتيجية قائمة على استثمار الثقل السياسي والبشري والاقتصادي والعسكري الذي تتمتع به مصر وتركيا والسعودية، بما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في موازين القوى الإقليمية.

ويفتح أمامها هامشًا أوسع للتحرك في ملفات الأمن الإقليمي، من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي. 

غير أن هذا المسار يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول طبيعته وحدوده، خاصة في ظل المقارنات المتكررة بفكرة "ناتو عربي أو إسلامي".

ناتو عربي أو إسلامي

في هذا السياق، يرى اللواء محمد عبد الواحد، مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، أن التركيز الإعلامي على مصطلحات مثل "تحالف" أو "حلف عسكري" لا يعكس بدقة حقيقة ما يجري على الأرض. 

وفي حديثه لـ"اليوم" يؤكد أن الدول الثلاث لا تتجه، في المدى القريب أو المتوسط، نحو تأسيس تحالف سياسي أو عسكري رسمي وملزم. مشيرًا إلى أن التجارب التاريخية أثبتت صعوبة تورط هذه الدول في تحالفات تقليدية قد تثير حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

شراكة مرنة متعددة الأبعاد

وفق هذا التقدير، تفضّل القاهرة وأنقرة والرياض نموذج "الشراكة الإستراتيجية المرنة والمتعددة الأبعاد"، وهو نموذج يتيح التعاون الواسع في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد. دون الدخول في التزامات دفاعية صلبة قد تفرض على دولة ما الانخراط في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. ويعد هذا النموذج، من وجهة نظر اللواء عبد الواحد، أكثر استدامة في ظل البيئة الإقليمية والدولية الراهنة.

ويتجلى هذا النهج بوضوح في الوثائق الرسمية والزيارات المتبادلة، حيث جرى التركيز على إنشاء أطر مثل "مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى" بين مصر وتركيا، الذي عقدت جولته الثانية في القاهرة. وأسفر عن توقيع اتفاقيات واسعة في مجالات الدفاع، والتجارة، والطاقة، والصناعات العسكرية، والتدريبات البحرية، دون النص على أي التزامات دفاعية ملزمة على غرار المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي.

بحر الصداقة

على المستوى العسكري، يشهد التعاون المصري–التركي تطورًا لافتًا، تمثل في توقيع اتفاقية تعاون عسكري، واستئناف التدريبات المشتركة "بحر الصداقة"، والتوسع في مجالات التصنيع الدفاعي المشترك، بما يشمل الطائرات المسيّرة، فضلاً عن انضمام مصر إلى برنامج المقاتلة التركية الشبحية "KAAN". 

كما يمتد هذا التعاون إلى تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية في ملفات مكافحة الإرهاب، وتأمين شرق المتوسط، والتعامل مع الأزمات في ليبيا والسودان.

لكن رغم هذا الزخم، يرى اللواء عبد الواحد أن بلورة تحالف دفاعي منظم على غرار "الناتو" لا تزال بعيدة المنال، لاعتبارات مؤسسية وسياسية معقدة. 

فتركيا عضو في حلف الناتو، والدول الثلاث ترتبط بشراكات إستراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، ما يجعلها حريصة على تجنب أي مسار قد يُفسَّر في واشنطن على أنه تكتل إقليمي مستقل أو منافس للنفوذ الأمريكي أو للتفوق العسكري الإسرائيلي.

محور ضرورة

في هذا الإطار، تكتسب الشراكة الإستراتيجية المرنة أهمية خاصة، لأنها تتيح قدرًا كبيرًا من التدرج وبناء الثقة، خصوصًا في ظل وجود خلافات تاريخية سابقة بين بعض أطراف هذا المثلث. سواء بسبب ملفات إقليمية معقدة أو تباينات سياسية. 

ويؤكد اللواء عبد الواحد أن تجاوز هذه الخلافات يتطلب وقتًا وتراكمًا في المصالح المشتركة. وليس قفزًا سريعًا نحو تحالفات رسمية قد تُجهَض قبل أن تكتمل.

وتتسع مجالات التعاون المحتملة بين الدول الثلاث لتشمل أمن البحر الأحمر، واستقرار اليمن والسودان، وأمن القرن الإفريقي، واستقرار الصومال، إلى جانب إدارة التوازنات الإقليمية في مواجهة نفوذ قوى أخرى فاعلة في هذه الساحات. 

ويُنظر إلى هذا التقارب، في السياق الإقليمي، باعتباره "محور ضرورة" أو "تحالف مصالح"، فرضته التهديدات المشتركة، وليس محورًا دائمًا أو أيديولوجيًا يسعى إلى إعادة تقسيم المنطقة إلى معسكرات متصارعة، بحسب اللواء عبد الواحد.

كما يعكس هذا المسار تحولاً إستراتيجيًا نسبيًا في موازين القوة بالشرق الأوسط، خاصة في ظل احتمالات تراجع أدوار إقليمية تقليدية وظهور فراغات تسعى قوى أخرى لملئها. 

ويضيف الخبير الأمني أن هذا التحول لا يزال محدود العمق، ويُقدم دوليًا باعتباره مساهمًا في تعزيز الاستقرار الإقليمي، وليس كمنافس مباشر للتحالف الأمريكي أو تهديد صريح للتفوق الإسرائيلي، رغم ما يحمله من رسائل ردع غير مباشرة.

هل يتوسع المسار ليضم باكستان وإندونيسيا؟

أما بشأن احتمالات توسيع هذا المسار ليشمل دولاً مثل باكستان أو إندونيسيا، فيؤكد اللواء عبد الواحد أن هذه الأفكار تُطرح في دوائر سياسية ضيقة، لكنها تظل بعيدة عن التبلور في شكل "ناتو إسلامي" متكامل، نظرًا لاختلاف أولويات الدول، وتداخل مصالحها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

في المحصلة، يبدو أن طريق أنقرة نحو تعزيز أمنها الإقليمي يمر بالفعل عبر القاهرة والرياض، لكن ضمن إطار شراكة إستراتيجية مرنة، تتقدم بخطوات محسوبة، وتوازن بين تعميق التعاون الإقليمي والحفاظ على علاقات مستقرة مع القوى الدولية المؤثرة، في مشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، دون حسم نهائي لشكل التحالفات المستقبلية.