في عالم تتزايد فيه التحديات الإنسانية وتتسع فيه فجوات الرحمة، يظل اليتيم أحد أبرز الفئات التي حظيت بعناية خاصة في الشريعة الإسلامية، حيث لم يقتصر الاهتمام به على الجوانب المادية فقط، بل امتد ليشمل الرعاية النفسية والوجدانية التي تُعيد إليه شعور الأمان والحنان وفي هذا الإطار، كشفت دار الإفتاء المصرية عن جانب عظيم من الأجر والثواب المرتبط بسلوك بسيط في ظاهره، عميق في أثره، وهو المسح على رأس اليتيم.

المسح على رأس اليتيم.. عبادة إنسانية بأجر مضاعف

أكدت دار الإفتاء المصرية أن الإسلام منح من يمسح على رأس اليتيم أجرًا عظيمًا وثوابًا كبيرًا من الله عز وجل، مشيرة إلى أن هذا الفعل يحمل في طياته معاني الرحمة والمواساة، ويُعد من أرقى صور التكافل الاجتماعي.

وأوضحت أن هذا التوجيه النبوي لم يأتِ عبثًا، بل جاء في سياق علاج القلوب القاسية، حيث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه حين اشتكى قسوة قلبه، قائلًا: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين»، في إشارة واضحة إلى أن الرحمة بالضعفاء تفتح أبواب اللين والخشوع في القلوب.

بكل شعرة حسنة.. ثواب يتجاوز التوقعات

وفي سياق متصل، أوضح الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق، أن الأجر المترتب على هذا الفعل يتجاوز حدود التصور، حيث إن من يضع يده على رأس يتيم يكتب الله له بكل شعرة في رأسه حسنة.

ويعكس هذا الثواب مدى عناية الإسلام بالمشاعر الإنسانية، حيث لا يقتصر الأمر على تقديم المساعدة، بل يمتد ليشمل اللمسة الحانية التي قد تعوّض اليتيم عن فقدان الأب أو الأم، وتُشعره بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم.

كافل اليتيم.. رفيق النبي في الجنة

ولم يقف الفضل عند مجرد المسح على الرأس، بل امتد ليشمل كفالة اليتيم ورعايته بشكل كامل، حيث أشار الدكتور علي جمعة إلى الحديث الشريف الذي يبيّن منزلة كافل اليتيم، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة».

وتحمل هذه البشارة دلالة عظيمة على مكانة هذا العمل، إذ تضع كافل اليتيم في منزلة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شرف لا يضاهيه شرف

كيف نتعامل مع اليتيم؟.. منهج متوازن بعيد عن الإفراط والتفريط

وفي رده على تساؤل مهم حول كيفية التعامل مع اليتيم، شدد الدكتور علي جمعة على ضرورة الالتزام بالمنهج الوسطي الذي دعا إليه الإسلام، مستشهدًا بقوله تعالى: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}، أي أن إصلاح حال اليتيم هو الطريق الأمثل لتحقيق الخير له ولمن يرعاه.

وأوضح أن الخوف المبالغ فيه من التعامل مع أموال اليتامى قد يدفع البعض إلى الابتعاد عنهم، وهو ما يُعد نوعًا من التقصير، كما أن التعدي على حقوقهم يُعد ظلمًا عظيمًا، مؤكدًا أن الإسلام جاء ليوازن بين الأمرين.

مخالطة اليتيم.. أخوة ورحمة لا خطر فيها

وأشار إلى أن القرآن الكريم حسم هذا الجدل بقوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}، ما يؤكد أن التعامل مع اليتيم يجب أن يكون قائمًا على الأخوة والرعاية، وليس على الخوف أو التوجس.

وبيّن أن من لا يملك مالًا يمكنه أن يرعى اليتيم من ماله الخاص، وأن يعامله معاملة أبنائه، فيعلمه، ويرعاه صحيًا، ويهتم بشؤونه اليومية، ليشعر بأنه جزء من أسرة لا تقل حبًا واهتمامًا عن غيرها.