في ظل تزايد التساؤلات بين المسلمين حول مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أثناء الدعاء، خرجت دار الإفتاء المصرية لتضع حدًا لهذا الجدل، موضحة الحكم الشرعي بشكل واضح، ومدعومة بالأدلة النبوية والشروحات الفقهية التي تعكس سعة الفقه الإسلامي ورحابته.
هذا الملف الذي يشغل أذهان الكثيرين، لا يقف عند حدود الحكم الفقهي فقط، بل يمتد ليكشف عن أبعاد روحية عميقة تتعلق بعلاقة المسلم بنبيه، ومدى تأثير الصلاة عليه في حياة المؤمن اليومية.
الصلاة على النبي.. عبادة عظيمة ومفتاح لتفريج الكروب
أكد الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تُعد من أعظم الطاعات التي يمكن أن يتقرب بها العبد إلى ربه، مشيرًا إلى أنها ليست مجرد ذكر يُقال، بل عبادة تحمل في طياتها أسرارًا عظيمة وآثارًا روحية ملموسة.
وأوضح أن هذه العبادة لها أثر مباشر في حياة الإنسان، إذ تسهم في تفريج الهموم، وإزالة الأحزان، وبث الطمأنينة في النفس، فضلًا عن كونها وسيلة للاقتراب من أخلاق النبي الكريم والاقتداء به في السلوك والمعاملة.
وأضاف أن كثيرًا من الناس يغفلون عن هذه العبادة رغم سهولتها وعظيم فضلها، فهي لا تحتاج إلى جهد أو مشقة، ومع ذلك فإن أثرها يتجاوز حدود الفرد ليشمل بركتها حياة الإنسان بأكملها.
حديث نبوي يكشف سر الفرج والمغفرة
واستدل أمين الفتوى بحديث نبوي شريف يعكس مكانة الصلاة على النبي وأثرها العظيم، حيث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن مقدار ما يجعل من دعائه صلاة عليه، فكان جواب النبي في كل مرة: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك"، حتى انتهى الرجل إلى أن يجعل صلاته كلها للنبي، فكان الرد النبوي الحاسم: "إذًا تُكفى همك، ويُغفر ذنبك".
هذا الحديث، بحسب علماء الشريعة، يحمل دلالة عميقة على أن الإكثار من الصلاة على النبي ليس مجرد عمل مستحب، بل هو باب واسع للفرج والمغفرة، ووسيلة فعالة لتغيير حال الإنسان إلى الأفضل.
تناول الشيخ عويضة عثمان قضية التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، موضحًا أن الاستغاثة به على وجه التوسل وطلب الشفاعة ليست أمرًا منكرًا كما يظن البعض، بل تدخل في إطار التوسل المشروع الذي أقره عدد كبير من العلماء.
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو شفيع الأمة يوم القيامة، وأن التوسل به إنما هو تعبير عن محبة صادقة وارتباط روحي عميق، وليس خروجًا عن العقيدة كما يُشاع في بعض الآراء المتشددة.
دار الإفتاء تحسم الجدل: الدعاء بجاه النبي جائز ولا حرج فيه
وفي سياق متصل، ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية عبر بث مباشر على صفحتها الرسمية بموقع "فيسبوك"، حول حكم الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وسلم.
وجاءت الإجابة على لسان الدكتور أحمد ممدوح، مدير إدارة الأبحاث الشرعية وأمين الفتوى، مؤكدة أن الدعاء بجاه النبي أمر صحيح شرعًا، وليس مكروهًا، ولا يترتب عليه أي إثم.
وشدد على أنه لا يوجد مانع شرعي من هذا النوع من الدعاء، معتبرًا أنه يدخل ضمن الوسائل المشروعة التي يتقرب بها العبد إلى الله، طالما أن الاعتقاد يظل قائمًا بأن الله هو الفاعل الحقيقي والمجيب للدعاء.
البعد الروحي للتوسل.. علاقة حب واتباع
يرى علماء الشريعة أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي فهمه بمعزل عن السياق الروحي العام، فهو في جوهره تعبير عن حب النبي وتعظيمه، ووسيلة لتعميق الصلة به.
كما أن الإكثار من الصلاة عليه يعزز هذا الارتباط، ويجعل المسلم أكثر التزامًا بهديه وسنته، وهو ما ينعكس إيجابًا على سلوكه وأخلاقه في حياته اليومية.