في حلقة جديدة من برنامج فالتمسوا نورًا المذاع عبر شاشة قناة الناس، طرح الدكتور نادي عبدالله، أحد علماء الأزهر الشريف، رؤية عميقة حول مفهوم السعي في حياة المؤمن، مؤكدًا أن العمل وحده لا يكفي، وأن الحركة بلا نور قد تتحول إلى تيه، مهما بدا ظاهرها نجاحًا أو إنجازًا. 

الحلقة لم تكن مجرد درس وعظي تقليدي، بل جاءت كخطاب روحي يضع معيارًا جديدًا لقيمة الجهد الإنساني، مفاده أن البركة ليست في كثرة الحركة، وإنما في مصدر الهداية التي تقودها.

 السعي بلا نور.. حركة بلا هداية

 في مستهل حديثه، شدد الدكتور نادي عبدالله على أن الإنسان قد يعمل كثيرًا، ويتحرك بلا توقف، ويكدّ ليل نهار، لكن ذلك كله لا يثمر أثرًا حقيقيًا إن لم يكن منطلقه نورًا إلهيًا يهدي الخطى ويوجّه القلب. استشهد بقول الله تعالى: «ويجعل لكم نورًا تمشون به»، معتبرًا أن الآية ترسم مبدأً تأسيسيًا في فهم العلاقة بين الإيمان والعمل؛ فالمشي في الحياة لا يكون بالأقدام وحدها، بل بالقلوب قبل كل شيء. 

وأوضح أن “أهل النور” ليسوا أولئك الذين يملكون المعارف الظاهرة فحسب، بل من أُحييت قلوبهم بنور الإيمان، فأصبحت نابضة بالحياة، متصلة بالله، مستنيرة بهديه أما من انقطع قلبه عن هذا النور، فهو وإن بدا حيًا في الظاهر ميت في المعنى، يسير بلا بصيرة، ويتحرك بلا اتجاه. في تحليل دقيق، أشار العالم الأزهري إلى أن القلب هو مركز القيادة الحقيقية في حياة الإنسان فإذا أشرق بنور الله ونور النبي ﷺ، انعكس ذلك على السلوك والاختيارات والمواقف. المؤمن الذي استضاء قلبه، بحسب وصفه، يسلك طريق السلام، لا تضطرب به الفتن، ولا تزلزله الشبهات، لأن داخله مشبع بنور يكشف له الحقائق وهذا النور ليس مجرد شعور وجداني، بل حالة يقظة مستمرة تجعله يزن أقواله وأفعاله بميزان الشرع.

 أما من حُرم هذا النور، فحاله كما وصفت الآيات: كمن يرى السراب فيحسبه ماءً، أو كمن يعيش في ظلمات متراكمة، لا يرى فيها طريقًا ولا يهتدي فيها إلى قرار. ولم يكتف الدكتور نادي عبدالله بالتوصيف المجرد، بل استدعى الصور القرآنية التي تجسد ضياع من فقدوا نور الإيمان، مشيرًا إلى وصف الأعمال التي لا تقوم على الإيمان بأنها كسراب في أرض مستوية يظنه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. 

كما أشار إلى صورة الظلمات في البحر العميق، حيث تتراكم الأمواج بعضها فوق بعض، في مشهد يختزل حالة الإنسان حين تنقطع صلته بالنور الإلهي؛ ظلمات فكر، وظلمات شهوة، وظلمات شبهة، حتى يصبح عاجزًا عن رؤية أقرب الحقائق إليه. 

هذه الصور كما أوضح ليست مشاهد بعيدة عن واقع الإنسان المعاصر، بل تعبير حي عن حال من يسيرون خلف أنوار زائفة: شهرة بلا قيمة، مال بلا رسالة، معرفة بلا أخلاق. نور يمتد أثره إلى الآخرين ومن أبرز المحاور التي توقف عندها الدكتور نادي عبدالله، أن نور الله لا يبقى حبيس النفس، بل يتعداها إلى المجتمع. فالمؤمن المستنير ليس شخصًا منعزلًا يعيش تجربته الروحية وحده، بل هو مصدر طمأنينة لمن حوله حضوره يبعث السكينة، وكلمته تهدي، وتصرفاته تفتح أبواب الرجاء. 

هذا النور بحسب تعبيره يهدئ قلب الخائف، ويعين الضال على الرجوع، ويعيد التوازن إلى النفوس المضطربة. فالإنسان إذا امتلأ قلبه بالإيمان، انعكس ذلك تلقائيًا على دوائره الأسرية والاجتماعية، فيصبح قدوة صامتة قبل أن يكون واعظًا ناطقًا.

 البركة في العمل..

 حين يتصل الجهد بالسماء الرسالة الجوهرية التي حملتها الحلقة أن البركة ليست نتيجة حسابات مادية بحتة، بل ثمرة اتصال القلب بالله. قد يكون العمل قليلًا في حجمه، لكنه عظيم في أثره إذا انطلق من قلب مضيء. وقد يكون كثيرًا في ظاهره، لكنه فارغ من القيمة إذا خلا من الإخلاص والهداية. السعي المبارك، كما عرضه الدكتور نادي عبدالله، هو ذاك الذي يجمع بين الإيمان والعمل الصالح، بين المعرفة والخشية، بين الحركة والنية الصادقة. عندها فقط يصبح الإنسان في سلام داخلي، ويشعر بأن حياته تسير في اتجاه واضح، لا تشتتها رياح المتغيرات.