في إطار جهوده التثقيفية الرامية إلى إبراز النماذج الملهمة في تاريخ الفكر الإسلامي، استعاد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية سيرة العالم الجليل محمود حمدي زقزوق، وذلك ضمن مشروعه «قُدوة»، تزامنًا مع ذكرى وفاته التي تحل في الأول من أبريل.

وتأتي هذه المبادرة لتسلط الضوء على شخصية علمية استثنائية، جمعت بين الفلسفة الإسلامية والوعي الحضاري، وأسهمت في صياغة خطاب ديني وسطي قائم على الحوار والانفتاح، في واحدة من أهم المراحل التي شهدت تحديات فكرية معقدة.

النشأة والبدايات: من قرية الدقهلية إلى رحاب الأزهر

وُلد الدكتور محمود حمدي زقزوق في 27 ديسمبر عام 1933، بقرية الضهرية التابعة لمركز شربين بمحافظة الدقهلية، ونشأ يتيم الأب في كنف شقيقه الأكبر، الذي تكفل برعايته وتوجيهه نحو التعليم.

وفي سن مبكرة، أظهر زقزوق نبوغًا واضحًا، حيث حفظ القرآن الكريم، والتحق بالمعهد الأزهري بدمياط، ليبدأ رحلة علمية شكلت ملامح أحد أبرز العقول الفكرية في العصر الحديث.

طموح مبكر واهتمام بالأدب والفكر

لم يكن زقزوق مجرد طالب علم تقليدي، بل كان شابًا طموحًا يسجل يومياته ويخوض تجارب مبكرة في الكتابة الأدبية، حيث بدأ في سن السابعة عشرة نشر قصصه ومقالاته في صحيفة «سفينة الأخبار»، كما شارك في البريد الأدبي لمجلة «الرسالة».

وخلال هذه المرحلة، احتك بكبار المفكرين والأدباء، مثل عباس محمود العقاد وأحمد حسن الزيات، ما أسهم في صقل وعيه الثقافي وتوسيع مداركه الفكرية.

روح وطنية ومشاركة في الدفاع عن مصر

تجلت الروح الوطنية لدى زقزوق في سنوات شبابه، حيث انخرط في متابعة الأحداث السياسية، وعبّر عن رؤيته من خلال الكتابة عن التحولات الثورية في مصر.

كما شارك ضمن كتائب الأزهر المتطوعين خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، في موقف يعكس انخراطه المبكر في قضايا الوطن والدفاع عن سيادته

مسيرة علمية دولية: من الأزهر إلى ألمانيا

حصل زقزوق على الثانوية الأزهرية عام 1955، قبل أن يلتحق بقسم الفلسفة بكلية اللغة العربية بالقاهرة، ويتخرج فيها عام 1959، ثم ينال درجة العالمية وإجازة التدريس في العام التالي.

وشهدت مسيرته العلمية نقلة نوعية حين توجه إلى ألمانيا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ميونخ عام 1968، في تجربة أكاديمية أضافت بعدًا عالميًا إلى تكوينه العلمي.

إنصاف الغزالي: دراسة فلسفية رائدة

في أطروحته للدكتوراه، قدّم زقزوق دراسة مقارنة بين الإمام الغزالي والفيلسوف رينيه ديكارت، أثبت خلالها أن أبو حامد الغزالي سبق ديكارت في تبني منهج الشك الفلسفي.

وقد شكّلت هذه الدراسة إضافة نوعية في ميدان الفلسفة المقارنة، حيث أعادت الاعتبار للفكر الإسلامي، وأكدت عمقه وتأثيره في الفلسفات الغربية.

تدرج أكاديمي ومناصب قيادية في الأزهر

عاد زقزوق إلى مصر ليبدأ مسيرته الأكاديمية في جامعة الأزهر، حيث عُيّن مدرسًا للفلسفة الإسلامية، ثم تدرج في المناصب حتى أصبح أستاذًا عام 1979.

وشغل لاحقًا رئاسة قسم العقيدة والفلسفة، ثم منصب وكيل الكلية، قبل أن يتولى عمادة كلية أصول الدين والدعوة بالقاهرة، وصولًا إلى منصب نائب رئيس الجامعة.

كما شارك في تطوير العملية الأكاديمية من خلال عضويته في لجان ترقية الأساتذة، وإسهاماته في المؤسسات العلمية داخل مصر وخارجها.

وزيرًا للأوقاف: 15 عامًا من الإصلاح والتطوير

تُعد فترة تولي زقزوق وزارة الأوقاف من أبرز محطات حياته، حيث استمر في هذا المنصب لمدة 15 عامًا، قاد خلالها عملية إصلاح شاملة لمؤسسات العمل الدعوي.

وشملت جهوده ضم المساجد الأهلية إلى إشراف الوزارة، وتنظيم العمل الدعوي وقصره على الأئمة المؤهلين، إلى جانب الاهتمام بتدريبهم وتأهيلهم فكريًا.

كما أطلق مشروعات تطويرية، من بينها إنشاء مكتبات عامة داخل المساجد، وتنظيم صناديق النذور، وتوفير احتياجات المساجد، بما في ذلك تطوير فرشها عبر دعم الصناعة الوطنية.

المجلس الأعلى للشئون الإسلامية: منصة للفكر والحوار

أولى زقزوق اهتمامًا خاصًا بـ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، حيث عمل على تحويله إلى منصة عالمية للحوار الفكري.

ونظم من خلاله سلسلة من المؤتمرات الدولية التي ناقشت قضايا محورية، مثل العلاقة بين الإسلام والغرب، وتجديد الفكر الإسلامي، ومستقبل الأمة، والتحديات المعاصرة.

كما شهدت تلك الفترة إصدار موسوعات علمية كبرى، أسهمت في إثراء المكتبة الإسلامية، وتقديم صورة متوازنة عن الإسلام.

إنتاج علمي غزير ودفاع عن الوسطية

ترك زقزوق إرثًا علميًا ثريًا، تجاوز ثلاثين مؤلفًا، تناولت قضايا الفلسفة والدين والحضارة، وسعت إلى تقديم قراءة عصرية للفكر الإسلامي.

ومن أبرز مؤلفاته: «مقدمة في الفلسفة الإسلامية»، و«الدين والفلسفة والتنوير»، و«الإسلام في تصورات الغرب»، وهي أعمال ركزت على تعزيز الحوار بين الثقافات، والدفاع عن سماحة الإسلام.

تكريمات دولية تقديرًا لمسيرته

حظي زقزوق بتقدير واسع على المستويين المحلي والدولي، حيث نال جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1997، إلى جانب أوسمة دولية مرموقة من ألمانيا وتونس.

كما كرّمه عبد الفتاح السيسي عام 2020 خلال مؤتمر تجديد الفكر الديني، تقديرًا لإسهاماته البارزة في تطوير الخطاب الديني.

الرحيل.. نهاية مسيرة حافلة بالعطاء

في الأول من أبريل عام 2020، رحل الدكتور محمود حمدي زقزوق عن عمر ناهز 87 عامًا، بعد رحلة طويلة من العلم والعمل والدعوة.

وبرحيله، فقدت الساحة الفكرية أحد أبرز رموزها، غير أن إرثه العلمي والفكري لا يزال حاضرًا، يواصل إلهام الأجيال، ويؤكد أن تجديد الفكر الديني لا ينفصل عن عمق التراث والانفتاح على العصر.