بينما أقرّ الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بتنفيذ هجمات، بعد التصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة، تحوّلت قاعة البرلمان إلى مشهد احتفالي لافت، حيث قُرعت كؤوس الشمبانيا وبرزت رموز دالة على تأييد القرار.
ويمثل هذا القانون تحقيقاً لتعهد انتخابي رئيسي طرحه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ضمن برنامجه في انتخابات 2022، في وقت يعكس فيه تمريره تصاعد نفوذ التيار اليميني المتطرف داخل حكومة بنيامين نتنياهو، وخاصة حزب عوتسما يهوديت، المعروف أيضاً باسم "القوة اليهودية".
وفي هذا السياق، يسلّط التقرير الضوء على ثلاث شخصيات بارزة من هذا التيار، ظهرت في قلب المشهد داخل الكنيست، محتفية بالقرار عبر مظاهر رمزية لافتة، من بينها رفع كؤوس الشمبانيا وارتداء دبوس يحمل رمز المشنقة، في تعبير يعكس طبيعة الخطاب المتشدد الذي يتبناه هذا التيار السياسي.
بن غفير.. من التعهد الانتخابي إلى التنفيذ
نجح بن غفير في نقل أحد أكثر وعوده تطرفًا من مرحلة الخطاب السياسي إلى حيز التنفيذ التشريعي، عبر قانون يجعل الإعدام حكماً شبه تلقائي بحق الفلسطينيين الذين تدينهم المحاكم العسكرية بقتل إسرائيليين، مع تسريع الإجراءات القضائية وتقليص فرص العفو.
ويُنظر إلى هذا التطور على أنه تتويج لمسار سياسي صاعد لشخصية لطالما أثارت الجدل، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، حيث تحول بن غفير من ناشط هامشي متأثر بأفكار "مائير كاهانا" إلى أحد أبرز صناع القرار في الحكومة.
سجل من الاستفزازات
لم يكن هذا القانون حدثاً معزولاً في مسيرة بن غفير، بل يأتي ضمن سياق طويل من التحركات المثيرة للجدل.
ففي أغسطس 2025، أثار موجة غضب واسعة بعد أدائه الصلاة في موقع ديني متنازع عليه في القدس الشرقية، في خطوة اعتُبرت خرقاً لترتيبات قائمة منذ عقود، حيث يُسمح لليهود بزيارة الموقع دون الصلاة فيه.
وتشير تقارير إلى أن هذه الخطوة أعادت إلى الأذهان زيارة رئيس الوزراء السابق أرييل شارون إلى الموقع ذاته قبل أكثر من عقدين، والتي ارتبطت باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
كما سبق لبن غفير أن زار حي الشيخ جراح في القدس الشرقية عام 2021، في ذروة التوترات المرتبطة بعمليات إخلاء سكان فلسطينيين، في خطوة اعتُبرت آنذاك جزءاً من تصعيد ميداني وسياسي.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس نمطاً ثابتاً في سلوك بن غفير، يقوم على توظيف الرمزية الدينية والسياسية في أكثر القضايا حساسية، لتعزيز حضوره السياسي وقاعدته الشعبية.

عميحاي إلياهو وزير القنبلة النووية
إلى جانب بن غفير، يبرز وزير التراث عميحاي إلياهو، كأحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل داخل الحكومة، بخطاب يتسم بحدة غير مسبوقة.
ففي نوفمبر 2023، أثار إلياهو إدانات دولية واسعة عندما صرّح بأن "إسقاط قنبلة نووية على غزة" يُعد خيارًا محتملاً في الحرب، مضيفًا في السياق ذاته أنه لا يرى وجود مدنيين في القطاع، ومعارضًا إدخال المساعدات الإنسانية.
وتُقرأ هذه التصريحات، وفق محللين، ضمن سياق أيديولوجي أوسع يتبناه التيار الذي ينتمي إليه، ويقوم على تبني حلول قصوى للصراع.

ليمور سون هار ميلخ
أما ليمور سون هار ميلخ، فقد حضرت بقوة في مشهد التصويت، حيث أثارت الجدل بارتدائها دبوسًا يحمل رمز المشنقة داخل قاعة الكنيست، في إشارة مباشرة لدعمها لقانون الإعدام.
ويعكس هذا السلوك، بحسب مراقبين، استخدامًا متعمدًا للرمزية السياسية بهدف إيصال رسائل حادة، خاصة في ظل سجلها المعروف بدعم الاستيطان ومواقفها المتشددة تجاه الفلسطينيين.
ففي 20 فبراير الماضي، اقتحمت النائبة برفقة عشرات من ناشطي حركة "نحلة" اليمينية، سياج الحدود مع قطاع غزة، في خطوة غير قانونية للمطالبة بإعادة إقامة مستوطنات يهودية في القطاع.
وأفادت هارميلخ بأن الهدف من الاقتحام هو "إعادة الحياة والأنشطة اليهودية إلى غزة"، فيما أكدت الحركة أن "في شوارع غزة سيلعب أطفال يهود وستقام مدن مزدهرة".
عوتسما يهوديت.. من إرث "كاخ" إلى قلب الحكومة
يقف خلف هذه الشخصيات حزب "عوتسما يهوديت"، الذي يُنظر إليه على أنه امتداد فكري لحركة "كاخ" التي أسسها الحاخام مائير كاهانا رائد التعصب، والتي حُظرت سابقًا.
وقد عرف كاهانا بعدائه الكبير للعرب وخلط الحقائق وبث أفكار التطرف والعنف لدى اليهود ضد العرب، كما ركزت مقترحاته على إخراج السكان العرب من إسرائيل، وإلغاء الجنسية الإسرائيلية لغير اليهود
وقد نجح الحزب، بعد سنوات من البقاء على هامش السياسة، في تحقيق اختراق مهم بوصوله إلى الكنيست ثم مشاركته في حكومة نتنياهو، ما منحه نفوذاً غير مسبوق في صياغة السياسات، خاصة في ملفات الأمن والاستيطان.
اليمين المتطرف يصنع القرار
يعكس تمرير هذا القانون، إلى جانب بروز شخصيات مثل بن غفير وإلياهو وهار ميلخ، تحولاً عميقًا في بنية النظام السياسي الإسرائيلي، حيث بات اليمين المتطرف لاعبًا رئيسيًا في صنع القرار، بعد أن كان لفترة طويلة على الهامش.
وفي المقابل، تتزايد التحذيرات من أن هذه السياسات قد تدفع نحو مزيد من التصعيد، في ظل انتقادات حقوقية ترى أنها تمسّ بأسس العدالة وتزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في المنطقة.
ولا يقتصر قانون الإعدام على كونه تشريعًا جديدًا، بل يمثل مؤشرًا على مرحلة سياسية جديدة في إسرائيل، تتسم بصعود خطاب أكثر تشددًا، تقوده شخصيات صنعت حضورها عبر الاستفزاز والتصعيد، قبل أن تنتقل إلى موقع التأثير المباشر في القرار السياسي.