تشهد الساحة الإقليمية في الشرق الأوسط تصعيدًا غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وسط حشد عسكري أمريكي مكثف وتحركات استراتيجية يمكن أن تمثل مرحلة جديدة في الصراع.
ووصول سفينة الإنزال البرمائية USS Iwo Jima وعلى متنها نحو 3500 جندي، ليصبح إجمالي القوات الأمريكية نحو 7000 جندي نخبة بينهم 5000 من مشاة البحرية و1000 جندي من القوات المحمولة جوًا.
كما يعكس الاستعداد الكامل لمجموعة من السيناريوهات العسكرية، ما يثير تساؤلات حول احتمالية تدخل بري مباشر داخل إيران أو استمرار العمليات ضمن إطار الضغوط الدبلوماسية والعسكرية.
في ضوء ما سبق، يرصد موقع "اليوم" مدى واقعية وحدود خيار التدخل البري داخل إيران، ضمن قراءة عسكرية متكاملة للمشهد.
قوات النخبة الأمريكية.. جاهزية محدودة لا غزو شامل
أوضح اللواء محمد عبد الواحد، مستشار الأمن القومي وخبير العلاقات الدولية، أن القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة قوات نخبة معدة لعمليات محدودة، وليست مصممة لخوض غزو واسع.
وفي حديثه لـ"اليوم" قال اللواء عبد الواحد: "الجغرافيا الإيرانية شاسعة، والتضاريس جبلية وصعبة، إضافة إلى وجود قوات نخبة إيرانية مدربة، ما يجعل العمليات الواسعة مستبعدة."
وأكد اللواء أن الهدف الأساسي لهذه القوات هو تنفيذ عمليات نوعية محدودة، مثل السيطرة على مناطق استراتيجية، ضرب أهداف محددة، أو خلق مناطق أمنية مؤقتة، مع الحفاظ على قدرة الضغط العسكري والسياسي دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ثلاثة مراحل اعتمدتها أمريكا في العمليات العسكرية
"يمكن تقسيم العمليات العسكرية التي نفذت خلال الفترة الماضية إلى ثلاث مراحل رئيسية"، يقول اللواء محمد عبد الواحد.
ويضيف: "المرحلة الأولى أطلقنا عليها اسم مرحلة الصدمة والتروي، وبدأت يوم 28 فبراير. كانت مخططة بدقة عالية، مع تنسيق استخباري كامل بين المساعدين ووكالة الاستخبارات الأمريكية، وتم خلالها اختيار الشخصيات المستهدفة وضرب مراكز القيادة والسيطرة على المستويين الاستراتيجي والتعبوي."
وعن المرحلة الثانية، يوضح اللواء عبد الواحد: "ركز خلالها على تدمير القدرات العسكرية لإيران، واستمرت حتى يوم الخميس الماضي، عندما أعلن الرئيس ترامب عن الانتقال إلى المرحلة الثالثة."
ويشير إلى أن المرحلة الثالثة تختلف جذريًا عن المراحل السابقة، إذ تركز على استهداف قدرات الإنتاج والتصنيع نفسها، بما في ذلك المصانع الاستراتيجية المدنية والعسكرية.
بالإضافة إلى ضرب البنية المعرفية من خلال استهداف كليات الهندسة والتكنولوجيا في طهران وأصفهان، بهدف إضعاف النظام وإفقاد الدولة قدراتها المستقبلية.
ويضيف: "هذه الاستراتيجية تُعرف تاريخيًا باسم قصف الإرادة، وقد وُضعت في بداية القرن العشرين على يد جنرال إيطالي. والفكرة تكمن في قدرة الطائرات على اختراق الدفاعات الأولية لضرب المراكز الحيوية، بما في ذلك المصانع والمدارس والجامعات، لتقليص إرادة الدولة وتحويلها إلى دولة فاشلة وظيفيًا."
السيطرة على جزيرة نفطية
أما عن السيناريوهات الخمسة المحتملة، أحد السيناريوهات الأكثر دراسة هو السيطرة على جزيرة استراتيجية قبالة السواحل الإيرانية، تضم منشآت نفطية أساسية تشكل شريان تصدير النفط الإيراني. حيث أشار اللواء عبد الواحد إلى أن هذه الجزيرة صغيرة نسبيًا، لكنها حيوية لاقتصاد إيران.
وأضاف: "السيطرة عليها تعني حرمان إيران من مصدر نفط أساسي، لكن الوصول إليها محفوف بالمخاطر، سواء عبر مضيق هرمز أو التنسيق مع دول مجاورة قد ترفض السماح بأي عملية برمائية."
هذا السيناريو يعكس استراتيجية الضغط الاقتصادي المباشر على إيران، دون الحاجة إلى تدخل بري واسع داخل الأراضي الإيرانية.
تأمين مضيق هرمز.. التحدي البحري الأكبر
تأتي أهمية مضيق هرمز في حماية الملاحة البحرية وناقلات النفط الأمريكية، وهو ما يجعله أحد السيناريوهات الحرجة للتدخل.
وحذر اللواء عبد الواحد من أن أي محاولة لدخول المضيق مباشرة قد تواجه تهديدات كبيرة من إيران، بما في ذلك زرع الألغام أو مهاجمة السفن، ما يجعل أي تدخل مباشر محفوفًا بالمخاطر.
كما أضاف أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى قصف الساحل والقيام بعمليات محدودة لإنزال قوات نخبويّة بهدف تأمين المضيق، لكنها ستظل عملية معقدة وغير مضمونة النجاح.
الاستيلاء على اليورانيوم المخصب.. العملية النووية الأخطر
السيناريو الثالث، والذي يعد الأخطر، هو محاولة الاستيلاء على مخزون اليورانيوم المخصب في منشآت أصفهان النووية.
حذر اللواء عبد الواحد من المخاطر البيئية الجسيمة، مؤكدًا أن أي عملية في هذا المجال تتطلب تنسيقًا سريًا مع إيران لتجنب كارثة نووية.
وأضاف أن العمليات المباشرة على هذه المنشآت قد تؤدي إلى تلوث واسع، فضلاً عن تعقيد العمليات العسكرية بسبب تحصينات المنشآت ووجود الحرس الثوري.
كما أشار اللواء عبد الواحد إلى أن السيطرة على هذه المنشآت، حتى لو تمت، ستكون نجاحًا رمزيًا واستراتيجيًا فقط، ويجب أن يتم ضمن سيناريو منسق بعناية عالية.
العمليات الداخلية المحدودة
أوضح اللواء عبد الواحد أن العمليات داخل إيران يمكن أن تركز على ضرب نقاط عسكرية محددة، منشآت استراتيجية، أو استهداف شخصيات معينة.
وقال: "هذه العمليات تهدف إلى خلق انتصارات رمزية، وتقليص قدرة إيران على الرد، دون الانزلاق إلى حرب شاملة."
كما يتيح هذا النوع من العمليات إظهار القدرة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على فرض الهيمنة دون الحاجة إلى تدخل بري واسع، ما يجعلها الخيار الأكثر احتمالًا في المرحلة الحالية.
السيطرة على مضيق باب المندب
أحد السيناريوهات الأخرى هو التركيز على مضيق باب المندب كخيار خارجي لاحتواء إيران من الخارج. بحسب اللواء عبد الواحد، فإن هذا السيناريو يمنح الولايات المتحدة السيطرة على خطوط الملاحة البحرية الاستراتيجية، وتأمين حركة النفط، دون الانخراط مباشرة في الأراضي الإيرانية.
وأضاف أن السيطرة على هذا المضيق، يمكن أن تشكل ضغطًا استراتيجيًا على إيران من جهة الجنوب الغربي، إلى جانب تحجيم أي قدرة إيرانية على تهديد مضائق النفط الحيوية.
لماذا العمليات البرية الشاملة مستبعدة؟
أكد اللواء عبد الواحد أن أي خيار للتدخل البرّي الشامل لا يزال غير واقعي في الوقت الحالي، بسبب صعوبة التضاريس، قوة الدفاع الإيرانية، وحدود القوات الأمريكية النخبوية.
وأشار إلى أن العمليات النوعية المحدودة، إلى جانب استراتيجية "قصف الإرادة"، تبقى الخيار الأكثر قابلية للتنفيذ. وهذه الاستراتيجية تعتمد على ضرب البنية الاقتصادية والعلمية لإيران لإضعاف إرادتها وقدرتها على مواجهة الضغوط، دون اللجوء إلى غزو شامل.
الورقة الأمريكية في لعبة الضغط
تخلص القراءة العسكرية إلى أن التحركات الأمريكية تمثل ورقة ضغط استراتيجية ضمن إطار التفاوض الدولي.
وأشار اللواء عبد الواحد إلى أن أي خطوة برية كبيرة ستظل محفوفة بالمخاطر، وقد تؤدي إلى انزلاق حرب إقليمية واسعة تؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.
وفي الوقت ذاته، تبقى جميع السيناريوهات مطروحة، من السيطرة على جزيرة نفطية، تأمين مضائق استراتيجية، الوصول إلى مخزون نووي، وعمليات محدودة داخلية، كلها محفوفة بالمخاطر وتتطلب تنسيقًا دقيقًا.