بعد شهر من القتال، تسيطر إيران استراتيجياً على مضيق هرمز، حيث انخفض عبور السفن من 135 إلى 6 يومياً في مارس، مع سيطرة 80% من ناقلات النفط على إيران أو حلفائها. إيران تستعد لفرض رسوم عبور، وتواصل تصدير نحو 1.8 مليون برميل يومياً، بينما تراجعت صادرات العراق والسعودية بشكل كبير.

هكذا أكد تقرير بلومبيرج الذي أشار إلى أن الضربات الإسرائيلية والأميركية قضت على قادة إيرانيين كبار واستهدفت مواقع رئيسية في أنحاء البلاد، لكن بعد مرور شهر على القتال، يُمكن القول إن إيران هي صاحبة أهم انتصار استراتيجي عبر إحكام قبضتها على حركة المرور في مضيق هرمز.

وحتى الآن في مارس، وهو أول شهر كامل من الحرب، لم يعبر هذا الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج العربي بالعالم سوى نحو 6 سفن يومياً في المتوسط في كلا الاتجاهين. ويُقارن ذلك بنحو 135 سفينة يومياً في الأوقات الطبيعية، وفق بيانات تتبع السفن التي جمعتها "بلومبرج".

خلال تلك الفترة، كانت 80% من العدد القليل لناقلات النفط التي غادرت المضيق إيرانية أو تعود لدول تربطها بها علاقات ودية، وفق البيانات.

التشويش الإلكتروني في مضيق هرمز

يؤدي التشويش الإلكتروني في منطقة هرمز إلى تعطيل أنظمة تتبع السفن، كما تقوم بعض السفن بإيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بها، ما يؤثر على توقيت ودقة بيانات التتبع. ومع ذلك، تشير كل الدلائل إلى أن قدرة طهران على السيطرة على المضيق تتزايد. إذ إن جميع السفن التي تعبر حالياً تسلك تقريباً مسارات توافق عليها إيران وتبحر قرب سواحلها وليس باتجاه الجانب العُماني من المضيق، وغالباً بعد إجراء محادثات لتأمين مرور آمن. وخلال الأيام الماضية، أعلنت ماليزيا وتايلندا عن اتفاقيات ثنائية للإفراج عن ناقلات كانت عالقة في الخليج.

قانون إيراني لفرض رسوم عبور عبر هرمز

تستعد إيران حالياً لإقرار قانون يفرض رسوماً، يُلزم أي سفينة ترغب في العبور بتقديم معلومات تفصيلية ودفع رسوم. وسيضفي ذلك الطابع الرسمي على نظام أبلغ عنه بالفعل عدد من مالكي السفن، حيث يُطلب من الناقلات — عبر وسطاء — تقديم قوائم الشحنات والطاقم، وفي بعض الحالات دفع مبالغ مالية. وربما في إطار هذا التوجه لتطبيع السيطرة، بدأت وتيرة التشويش على الإشارات تتراجع جزئياً، وهو ما قد يسهّل عمليات الملاحة في المنطقة.

وينص القانون البحري الدولي — اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار — على ضرورة السماح بمرور السفن عبر الممرات المائية الحيوية، بما في ذلك هذا المضيق الذي يتكون من مياه إقليمية متداخلة بين إيران وعُمان. لكن لا إيران ولا الولايات المتحدة صادقتا رسمياً على الاتفاقية.

أيضاً، تعد السيادة على هذا الممر المائي أحد الشروط الخمسة التي طرحتها طهران للسلام أمام الولايات المتحدة.

هرمز كسلاح اقتصادي فعال

وفي أوائل مارس، تعرضت 4 سفن لا تربطها صلات واضحة بالولايات المتحدة لهجمات بمقذوفات، ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص على الأقل، وأثار قلق الطواقم ومالكي السفن وشركات التأمين.

وقد أثبت الإغلاق شبه الكامل لهرمز منذ ذلك الحين، عبر التهديدات والهجمات، أنه سلاح غير تقليدي بالغ الفاعلية في مواجهة إيران مع اثنتين من أقوى القوى العسكرية في العالم إذ يمنح طهران وسيلة للتأثير المباشر على أسواق الطاقة العالمية وإلحاق ضرر مالي حاد؛ بطريقة واجهت واشنطن صعوبة في التصدي لها، رغم طرح خيارات تتراوح بين دعم التأمين والمرافقة البحرية.

صادرات إيران تواصل التدفق

ومن بين 110 سفن غادرت الخليج الشهر الجاري، كانت أكثر من 36% منها سفناً إيرانية خاضعة للعقوبات أو جزءاً مما يُعرف بالأسطول المظلم الذي يخدم طهران، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ". وبالنسبة لناقلات النفط، فإن 21 من أصل 35 ناقلة غادرت كانت لها صلات مباشرة بإيران، بينما توجه معظم البقية إلى دول تربطها بطهران علاقات ودية.

كان أحد الافتراضات السائدة أن إيران لن تُحاول إغلاق المضيق خشية تعريض صادراتها للخطر، وهي شريان اقتصادي حيوي. لكن بيانات تتبع السفن تشير إلى أن نفط طهران استمر في التدفق - تقريباً بالكامل إلى الصين - في وقت علقت فيه سفن أخرى واضطر المنتجون في المنطقة للبحث عن بدائل أو وقف الإنتاج مع امتلاء مرافق التخزين.

صدّرت إيران نحو 1.8 مليون برميل يومياً الشهر الجاري، بزيادة تقارب 8% عن متوسطها خلال 2025، وفق بيانات شركة "كبلر" (Kpler) حتى 26 مارس. وعلى الأرجح أتاح ذلك لطهران تحقيق مئات الملايين من الدولارات كعائدات نفطية، بحسب تحليل لـ"بلومبرج".

تراجع صادرات العراق والسعودية

في المقابل، تراجعت صادرات العراق خلال الشهر نفسه، وهي دولة تقع في عمق الخليج العربي، بأكثر من 80% مُقارنةً بمستويات 2025، بينما انخفضت صادرات السعودية بأكثر من الربع عن متوسط العام الماضي، حتى مع وجود خط أنابيب ينقل نفطها إلى البحر الأحمر.

يتضح تأثير سيطرة إيران في أسواق النفط، حيث ارتفع خام برنت بنحو 60% الشهر الجاري، ويترجم ذلك إلى نفوذ دبلوماسي، خاصة مع الدول الكبرى المستوردة للنفط. إذ سعت دول مثل الهند، وتركيا، وباكستان، وتايلندا للحصول على موافقة طهران لعبور السفن وتخفيف أزمة الطاقة الحادة.

تنازلات أمريكية لتهدئة أسعار النفط

حتى واشنطن اضطرت لتقديم تنازلات لتهدئة الأسعار، عبر إعفاء بعض شحنات النفط الإيراني المنقولة بحراً من العقوبات. وقد أبدى المشترون تردداً بسبب مخاطر إعادة فرض القيود، لكن الهند استلمت أول شحنة غاز نفط مسال إيراني منذ نحو 8 سنوات.

وفي الوقت نفسه، يسارع منتجون آخرون في الخليج إلى إعادة توجيه تدفقات النفط عبر مسارات بديلة.

انهيار مؤشرات الشحن العالمية

بين عشية وضحاها، انهارت تقييمات أسعار الشحن لمسار قياسي من الشرق الأوسط إلى الصين، ما دفع بورصة البلطيق لتجربة مؤشر جديد ينطلق من عُمان، مع تحويل السفن مساراتها إلى خليج عُمان والبحر الأحمر لالتقاط التدفقات المعاد توجيهها. وأصبحت المؤشرات المحلية لأسعار النفط شديدة التقلب وغير موثوقة، ولم تعد تعكس آلية حقيقية لاكتشاف الأسعار، وفقاً للتجار والمسؤولين. 

ودعا رئيس وكالة الطاقة الدولية الدول الأوروبية إلى النظر في فصل أسعار الغاز عن الكهرباء للحد من تداعيات الحرب الإيرانية.

ارتفاع تكاليف التأمين البحري

كما تواجه شركات التأمين اضطرابات غير مسبوقة، إذ صُنّف معظم الشرق الأوسط الآن منطقة حرب من قبل لجنة الحرب المشتركة، وهي مجموعة تأمين مقرها لندن. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف التأمين الإضافي ضد مخاطر الحرب للسفن في الخليج العربي وهرمز، لتبلغ نحو 1.5% من قيمة السفينة في الخليج، وتصل أحياناً إلى 10% في المضيق.

نظرياً، يوفر رسم العبور الذي تعتزم طهران فرضه إطاراً لإعادة حركة المرور. لكن عملياً، يؤكد أن حتى نهاية الحرب لن تعني العودة إلى الوضع السابق. ويقول عديد من كبار مالكي السفن وشركات التأمين إنهم سيواجهون صعوبةً في الاستفادة من هذا الخيار حتى لو أرادوا ذلك، خوفاً من الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية.

وقالت أماندا بيورن، رئيسة المطالبات لدى وسيطة التأمين البحري "كامبياسو ريسو آسيا" (Cambiaso Risso Asia): "قد يفتح ذلك الباب لمخاطر غير متوقعة إذا قررت الدول عدم احترام تشريعات قائمة منذ سنوات طويلة".