عندما يُنادى بسقوط الديكتاتوريين، فاعلم أن ما يسقط في الحقيقة هو الدولة؛ فهذه الشعارات ليست سوى مُخدّر للشعوب المقهورة، تُستخدم لأغراض سبق وأن طُبقت في غرف أعداء الحرية، الذين يتشدقون بها، لنأخذ فنزويلا كمثال: عندما بسطت الولايات المتحدة نفوذها، واعتقلت الرئيس "مادورو" من داخل قصر الحكم الخاص به، تحت شعار فضفاض "القبض على الديكتاتور الذي ظلم شعبه كثيرًا،"عندها تظاهر القلة القليلة من الشعب الغافل، مبديًا سعادته لسقوط رئيسه، وما كان ليحدث هذا دون وجود عملاء مأجورين من داخل فنزويلا، فالحقيقة أكبر من ذلك بكثير، وللأسف لا يدركها الشعب، إلا بعد أن يجد نفسه في شراك عدوه، وقد اتضح هذا جليًا الآن في الحرب الأمريكية الإسرائيلية، المُشنّة على إيران.
فالشعب الفنزويلي بعد ما حدث، قد خسر مبيعات ما يقارب 800 ألف برميل نفط، كانت تُصدّر يوميًا إلى الصين، وتحولت هذه الكميات للولايات المتحدة الأمريكية بالمجان، ودون مقابل، ولهذا السبب صرح "ترامب" بأن إغلاق مضيق "هرمز" لا يؤثر علينا، لأن إنتاجنا من النفط يفوق إنتاج كل من السعودية، وروسيا، لذا كانت نية "ترمب" واضحة، وهدفه أنه لم يكن هو إزاحة الديكتاتور الفنزويلي عن شعبه، بل كانت خطة للسيطرة على ثرواتهم، للمشاركة في معركة ضد إيران بنفس المسمى، وهو فتح منفذ تنفس طبيعي في ذلك السجن الكبير، الذي صنعه "خامنئي،" ورفاقه للشعب الإيراني؛ فالشعار واحد والهدف واحد، وإن اختلفت إرادة شعب عن شعب آخر.
والمُتغـولون لا يمنحون فرصة لغيرهم في العالم، وهذه هي سنتهم التي ابتدعوها منذ زمن بعيد، ولهذا قامت الحروب، ودارت المعارك، فالحرب العالمية الأولى اندلعت، عندما بزغ النجم الألماني وبدأ يلمع في سماء العالم، وسعى للتقارب مع النمسا، والمجر، وإيطاليا لمنافسة النجم البريطاني، تلك الدولة العظمى التي ضمت فرنسا، وروسيا، وكانت من تداعيات الحرب العالمية الأولى محاولة اليابان التوسع في آسيا، للهيمنة على ثرواتها الطبيعية، خاصة في الصين، والسيطرة على المحيط الهادي، وهو ما أدى إلى الحرب العالمية الثانية.
والآن بعد صعود النجم الصيني، وتقاربها مع الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت واشنطن في قطع إمدادات النفط عن الصين، مهددةً الدول المعارضة لسياساتها، كما حدث مع فنزويلا، أن تكون معنا أو نصبح ضدك، وبناءً عليه شُنت حرب بالوكالة على إيران من قبل أمريكا، وإسرائيل لمنعها من تصدير النفط إلى الصين، والذي كان يُقدر بنحو 43 مليون برميل شهريًا، وقد توقف هذا التصدير فعليًا بسبب الأوضاع الحالية.
في الواقع نجد أن الصين تمر الآن بمرحلة صعبة، لاعتمادها الكبير على النفط الإيراني بعد أن فقدت حصتها من فنزويلا، ولم يبق أمام الصين سوى المملكة العربية السعودية، التي يُحاول الأمريكان جرّها إلى حرب مع إيران، بهدف استنزاف قدراتها، وتعطيل ضخ نفطها للصين، أما روسيا فقد بدأوا الوقيعة بينها، وبين أوكرانيا، وإشعال الحرب في محاولة لإضعافها، وضمان عدم منافستها للولايات المتحدة، وفي الجبهة الأخرى، تم إضعاف سوريا، وإخراج "بشار" منها لضمان عدم تعرض إسرائيل للخطر، ولتقييد قدرة إيران على الدعم وقت الحاجة.
وتتجه أنظار أمريكا نحو تايوان، تلك الدولة العملاقة في موطن صناعة معظم الشرائح الإلكترونية في العالم، حيث تسعى أمريكا للسيطرة عليها عبر تكرار السيناريو، الذي طبقوه مع الرئيس العراقي "صدام حسين،" وغزو الكويت، بالوشاية إلى الصين أن تايوان جزء من أراضيها، مع توقع أمريكا أن الهجمات الصينية على تايوان ستكون عام 2027م. لذا تعمل أمريكا الآن بكل ما تملك من قوة، على إضعاف الصين اقتصاديًا، لضمان انهيارها في حال نشوب تلك الحرب، وتمهيدًا للقضاء على القوة الإسلامية، وإنهاء العالم العربي بما يخدم مصالح إسرائيل الكبرى.
ونستنتج أن أمريكا، وإسرائيل تسعيان معًا إلى دمار العالم، ربما لتسريع ظهور المسيح الدجال، وإقامة دولة إسرائيل الكبرى، الممتدة من النيل إلى الفرات، ولكن هذا مجرد افتراض، وسننتظر ما ستكشفه الأيام؛ فهل ستلد الأيام عملاقًا جديدًا كما حدث في إيران؟ وهل هذا العملاق حقيقة أم مجرد وهم كالذي نراه في الأفلام الهوليوودية؟ لذا يا شعوب العالم، لا تنخدعوا بالشعارات الرنانة التي يتم استخدامها لإنهاء العديد من الدول.