يعيش سوق الطاقة العالمي واحدة من أخطر أزماته الوجودية، حيث تحول مضيق هرمز من ممر ملاحي إلى خناق جيوسياسي يهدد بانهيار صفقات كبرى وقفزة جنونية في الأسعار، وبين تهديدات إيرانية بالإغلاق الكامل، وتحركات حلف شمال الأطلسي- الناتو- لفتحه بالقوة، ترسم ملامح خريطة اقتصادية جديدة قد لا يرى فيها العالم برميل النفط تحت حاجز 100 دولار لسنوات طويلة.

​تحذيرات توتال إنرجيز 

في تصريح ليس بعابر؛ أكد الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجيز لصحيفة تليجراف: أن النفط الذي يتم تعطيل مروره بمضيق هرمز “لا يمكن تعويضه من أي بقعة أخرى في العالم”؛ وفي السياق ذاته، كشف مصرفيين لفايننشال تايمز: أن التصعيد الإيراني أدى إلى توقف كامل لصفقات النفط والغاز الأمريكية، ما يعكس حالة من الشلل في التدفقات الاستثمارية نتيجة عدم اليقين.

​توقعات صادمة

​في قراءة متشائمة للمستقبل، كشف الرئيس التنفيذي لشركة "يونايتد إيرلاينز" في تصريحات "لإن بي سي" أمس عن سيناريوهات قاسية، أكد فيها أن خطط الشركة تضع في اعتبارها وصول سعر برميل النفط إلى 175 دولاراً. قاطعا بأن توقعاتهم تؤكد انعدام الأمل في انخفاض النفط دون 100 دولار للبرميل قبل نهاية عام 2027، ما دفع الشركة لاتخاذ قرار بالبدء في تقليص الرحلات الأقل ربحية لمواجهة تكاليف الوقود المتصاعدة.

​طهران.. السيطرة الذكية

مضيق هرمز… كلمة السر في تلك الأزمة، الواقع تحت السيطرة الإيرانية، كان مركز تصريحات لوزارة الخارجية الإيرانية، حيث حملت الاحتلال والولايات المتحدة المسؤولية عن أي تصعيد أو تهديد للأمن والاستقرار بالمنطقة، مؤكدة أن إطار القانون واحترام سيادة الدول هو أساس ترتيبات أمن الملاحة بالخليج والمضيق.

وكشفت عن أن سفن الدول غير المشاركة في أي  أعمال عدائية ضدهم يمكنها العبور من المضيق، شريطة التنسيق معهم، وأن وقف العدوان عليهم واحترام حقوق الشعب الإيراني المشروعة، هو الحل الوحيد لضمان الاستقرار.

​على الجانب الآخر، تبدو طهران في وضع مريح اقتصادياً على الرغم من التوتر؛ حيث أكد مصدر بوزارة النفط الإيرانية أن وضع عائدات العملات الأجنبية جيد جداً، لا سيما بعد القرار الأمريكي الأخير برفع العقوبات عن شحنات النفط قيد النقل.

​ميدانياً، رسم مقر خاتم الأنبياء الإيراني الخطوط الحمراء للعبة المضيق، فقال: إن ​المضيق لم يغلق بالكامل بعد، إنما يقع تحت سيطرة ذكية، وأن حركة الملاحة مرهونة بضوابط لكنها مسموحة طالما كانت غير مضرة، فيما تبقى مغلقة تماما أمام العدو، ويغلق بالكامل حال استهداف منشآت الطاقة في البلاد.

وقد عزز الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” ذلك بقوله: إن المضيق مفتوح للجميع "إلا من ينتهك أرضنا"، متوعداً بمواجهة التهديدات بحزم في الميدان.

​خيار القوة على الطاولة

​بدأت الماكينة العسكرية الغربية في التحرك لفتح هرمز، حيث أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض عن استجابة حلفاء الناتو لدعوة الرئيس “ترامب” للمساهمة في تأمين المضيق.

كما كشف ​الأمين العام للناتو لفوكس نيوز عن بدء التخطيط الفعلي لإعادة فتح المضيق بالتعاون مع واشنطن ضمن تحالف يضم 22 دولة؛ فيما صرح ​المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة: بأن بلاده قد تترك مهمة فتح المضيق للآخرين أو تفتحه بالقوة. 

كما ​دخلت إسبانيا على خط الأزمة فطالب رئيس وزرائها بفتح المضيق وحماية منشآت الطاقة في الشرق الأوسط باعتبار ذلك ضرورة دولية؛ في حين اتهم “نتنياهو” إيران بإطلاق صواريخ بعيدة المدى؛ ومحاولة "ابتزاز العالم" بالمضيق.

وبينما يرى الخبراء أن إغلاق هرمز يعني انتحاراً اقتصادياً جماعياً، تصر الأطراف على حافة الهاوية على إكمال طريقها. فهل تنجح الدبلوماسية العسكرية لحوالي 22 دولة في تأمين الشريان المائي، أم أن برميل النفط في طريقه لكسر حاجز 175 دولاراً وتغيير وجه الاقتصاد العالمي للأبد؟