في توقيت بالغ الأهمية جاء التعديل الوزاري ليكمل ما تم بناؤه من إنجازات ومشاريع، وهو تعديل يكتسب أهميته من كونه يأتي مواكباً للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة وأن المرحلة الحالية تتطلب حكومة تمتلك القدرة على التحرك السريع وترجمة التوجيهات الرئاسية إلى سياسات تنفيذية يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.

ففي ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة وثورة التحول الرقمي التي تعيد تشكيل خرائط القوة الاقتصادية، جاءت تكليفات الرئيس السيسي للحكومة الجديدة كخارطة طريق تركز على أولويات التنمية المصرية، وعلى بناء اقتصاد رقمي وطني مرن يتجاوز مرحلة التمويل الدولي نحو الاعتماد على الذات والابتكار التكنولوجي.

وقد وجه الرئيس السيسي الحكومة الجديدة بمواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في المجال الاقتصادي، والتطرق لمجالات جديدة لدعم الاقتصاد، خاصة في التقنية والمعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها وتشجيع الابتكارات وتمويل أبحاثها وتطبيقاتها.

كما ركز التوجيه الرئاسي على الارتقاء المستدام بمنظومة التعليم من كافة جوانبها، وزيادة الاهتمام بصحة المواطنين وتيسير العلاج لهم، وإعلاء قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز وتشجيع المشاركة في الشأن العام بإجراءات شفافة تلبي طموح المواطنين، وما يتصل بها من استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية لتحقيق المشاركة الشعبية في مراقبة العمل في وحدات الإدارة المحلية وضبط الأداء الإداري فيها.

إضافة إلى ضرورة إيلاء أهمية قصوى للرأي العام وتبصيره بصفة مستمرة بالحقائق من خلال إعلام وطني قادر على الوصول إلى كافة مكونات المجتمع المصري، وتقديم خطاب مهني مسئول إليهم، يشكل وعياً جمعياً أمام ما نواجهه من تحديات وما ينشر من شائعات، ويعزز من ثقافة الحوار البناء، وتنمية القدرة على التفكير السليم، واحترام آراء الآخرين، وهي كما نرى خارطة طريق مكتملة الملامح والبنود.

 خطوة مهمة وحاسمة 

ويعد توجيه الرئيس باستكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية لتحقيق المشاركة الشعبية في مراقبة العمل في وحدات الإدارة المحلية وضبط الأداء الإداري فيها، وهي تمثل خطوة مهمة وحاسمة لتفعيل أحد أهم بنود دستور مصر والمتعلقة بتعزيز اللامركزية وتمكين المجتمعات المحلية من ممارسة دورها الرقابي والتنفيذي.

ويأتي ذلك اتساقا مع توصيات الحوار الوطني حول المجالس المحلية الشعبية، والتي أكدت على ضرورة سرعة إصدار قانون المجالس الشعبية المحلية، وسرعة إجراء انتخاباتها.

وتأتي توجيهات الرئيس تأكيدا على أن غياب المجالس المحلية المنتخبة على مدار السنوات الماضية خلق فجوة رقابية واضحة على مستوى المحافظات والمراكز والأحياء، فالإدارة المحلية كانت تعمل من خلال الأجهزة التنفيذية فقط، دون وجود ظهير شعبي منتخب يمارس أدوات الرقابة والمساءلة المنصوص عليها دستوريا، وهو ما انعكس على بطء معالجة بعض المشكلات اليومية المرتبطة بالخدمات والمرافق.

كما أن عودة المجالس المحلية ستسهم في معالجة التحديات المزمنة في ملفات مثل مخالفات البناء، وتراخيص المحال، وتطوير البنية التحتية، والنظافة، وإدارة الأسواق.

ولهذا تكتسب خارطة الطريق الجديدة أهمية كبيرة لأن المجالس المحلية تمثل آلية مؤسسية لضبط الأداء التنفيذي على المستوى القاعدي، كما أن وجود مجلس منتخب قادر على تقديم طلبات إحاطة، ومناقشة خطط التنمية المحلية، ومراجعة الموازنات، يسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

 تنمية الإنسان 

كذلك يمكن القول أن أهم ما ستتضمنه خارطة الطريق للاقتصاد المصري خلال السنوات القادمة يتعلق بالتركيز على خفض الدين العام عبر حلول مبتكرة وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والانفتاح على مجالات اقتصادية رقمية جديدة كالتقنية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ربط التنمية الاقتصادية بتنمية الإنسان من خلال الإنفاق على التعليم والصحة.

ولهذا تضمن التعديل الوزاري وجود مجموعة اقتصادية تحت إشراف نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية لضمان التنسيق والتعاون الكامل بين مختلف الأطراف المعنية من أجل استكمال خطط التنمية والبناء وبناء اقتصاد مصري تنافسي ، يرتكز على الابتكار الرقمي ومشاركة القطاع الخاص واستثمار بشري عالي الجودة، مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

ومن المتوقع أن تركز أولويات العمل الحكومي بوجه عام على محاور الأمن القومي والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي، إلى جانب بناء الإنسان والمجتمع، باعتبارها ركائز مترابطة لتحقيق الاستقرار ودفع مسار التنمية الشاملة. 

 وهناك وعي وإدراك لدى الحكومة الجديدة بأهمية دعم الصناعة والاستثمار باعتبار ذلك هو المدخل الحقيقي لزيادة معدلات النمو وتوفير فرص العمل، من خلال تعميق التصنيع المحلي، وتوطين التكنولوجيا الحديثة، وتهيئة مناخ استثماري جاذب قادر على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، بما يسهم في رفع معدلات الإنتاج وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ندرك جميعاً أن بناء الإنسان هو جوهر أي إصلاح حقيقي، عبر تطوير منظومتي التعليم والصحة، وتحسين جودة الخدمات العلاجية، وترسيخ قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز، مع أهمية استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية لتعزيز الرقابة الشعبية والارتقاء بمستوى الأداء الإداري في مختلف المحافظات.