تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الترقب والقلق المتزايد، مع استمرار التوترات العسكرية في منطقة الخليج وتراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفق النفط في العالم، الأمر الذي يدفع التوقعات نحو ارتفاع كبير في أسعار النفط خلال الأيام المقبلة.
وخلال الأسبوع الجاري، سجلت أسعار النفط والغاز ارتفاعاً ملحوظاً، بالتزامن مع شبه توقف لحركة السفن عبر المضيق، إلا أن الأسعار لا تزال أقل من المستويات القياسية التي شهدتها الأسواق عقب اندلاع الحرب الروسية
الأوكرانية.

ومع ذلك، يحذر عدد متزايد من كبار التنفيذيين والتجار في قطاع الطاقة من أن استمرار الأزمة قد يدفع أسعار الخام سريعاً إلى مستوى 100 دولار للبرميل.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة واحدة من أكبر الاضطرابات في تاريخها، حيث أدى تعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى تقلص حركة ناقلات النفط العملاقة، ما يهدد بحدوث اختناقات في الإمدادات ويقرب المنتجين من مرحلة خفض الإنتاج.

وبالفعل بدأت مؤشرات التوتر تظهر في الأسواق، إذ ارتفعت أسعار خام برنت إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل محققة مكاسب تجاوزت 25% خلال أسبوع واحد، وسط توقعات باستمرار الصعود إذا لم يتم احتواء الصراع سريعاً.

ويرى خبراء الطاقة أن السوق لم تستوعب بعد التأثير الكامل لإغلاق المضيق لفترة طويلة، مؤكدين أن استمرار تعطل الإمدادات قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 100 دولار خلال أيام قليلة، خصوصاً مع تزايد الضغوط على المصافي وشركات النقل.

- تراجع الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود

التوترات الحالية بدأت بالفعل تؤثر على أسواق المنتجات النفطية، حيث ارتفعت أسعار الديزل بأكثر من 50% خلال أسبوع، كما تجاوز سعر وقود الطائرات في بعض المناطق حاجز 200 دولار للبرميل، بينما صعدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو الثلثين.

كما دفعت هذه التطورات بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات احترازية، إذ طلبت الصين من مصافيها الكبرى تقليص صادرات البنزين والديزل للحفاظ على الإمدادات المحلية، في حين بدأت بعض الدول الآسيوية اتخاذ خطوات مشابهة.

وفي السياق ذاته، حذر مسؤولون في قطاع الطاقة من أن امتلاء خزانات التخزين البرية نتيجة توقف الصادرات عبر المضيق قد يجبر المنتجين على خفض الإنتاج، وهو ما بدأ بالفعل في بعض الدول مثل العراق، بينما أوقفت قطر جزءاً من إنتاج الغاز الطبيعي المسال.

- سيناريوهات أكثر حدة لأسعار النفط

توقع محللو بنك "غولدمان ساكس" أن تتجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع المقبل إذا لم تظهر أي بوادر لحل الأزمة أو إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
وأشار التقرير إلى أن صدمة الإمدادات الحالية غير مسبوقة، إذ تفوق بنحو 17 مرة حجم الانقطاع الذي شهدته الأسواق في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، ما يعكس حجم المخاطر التي تهدد سوق الطاقة العالمي.

وفي الوقت نفسه، حذر وزير الطاقة القطري من أن الأسعار قد ترتفع إلى 150 دولاراً للبرميل إذا استمر النزاع لفترة أطول دون حلول دبلوماسية.

- بدائل محدودة لتدفق النفط

يحاول بعض المنتجين في الخليج إيجاد مسارات بديلة لنقل النفط، حيث تنقل السعودية جزءاً من صادراتها عبر خطوط أنابيب إلى موانئها على البحر الأحمر، بينما تعتمد الإمارات على خط أنابيب يصل إلى ميناء الفجيرة.

ورغم ذلك، فإن هذه البدائل لا تستطيع تعويض سوى نحو ثلث الكميات التي تمر عادة عبر مضيق هرمز، والتي تقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً، ما يزيد من حساسية السوق لأي تطورات جديدة في المنطقة.

-جهود لاحتواء الأزمة

من جانبها، تحاول الولايات المتحدة تهدئة الأسواق عبر تقديم ضمانات أمنية لمرافقة ناقلات النفط في المضيق، إلى جانب اتخاذ إجراءات مؤقتة لتخفيف الضغوط على المصافي العالمية.

ورغم ذلك، يؤكد خبراء الطاقة أن مستقبل الأسعار سيظل مرتبطاً بشكل مباشر بتطورات الصراع، إذ إن أي انفراجة أو إعادة فتح للمضيق قد تعيد التوازن سريعاً إلى السوق، بينما استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي ظل هذه الأجواء، تستعد أسواق الطاقة العالمية لفترة من التقلبات الحادة، بينما يترقب المستثمرون والمتعاملون أي مؤشرات سياسية أو عسكرية قد تحدد اتجاه أسعار النفط خلال الأيام المقبلة.