دخل الصراع بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي منعطفاً تاريخياً، عقب إعلان الحرس الثوري الإيراني، في 2 مارس الجاري، إغلاق مضيق هرمز رسمياً أمام الملاحة الدولية، رداً على ضربات التحالف المشتركة التي استهدفت عموم بلاده، بما في ذلك المدارس والمناطق المدنية المأهولة، وكذلك المنشآت النووية والعسكرية، وكبار قادة البلاد وعلى رأسهم المرشد العام أية الله "علي خامنئي".
وبينما نفت إيران رسميًا اليوم- الخميس- إغلاق المضيق، وأكد وفدها بالأمم المتحدة احترام بلاده للقانون الدولي وحرية الملاحة، وبعث وزير خارجيتها "عباس عراقجي" بذات الرسالة وأن قرار الإغلاق لم يؤخذ رسميا حتى الآن، لكن الخيارات أمامهم ستكون مفتوحة مع تطورات الحرب، راح الحرس الثوري يؤكد- في بيان رسمي- منع الملاحة في المضيق على ناقلات النفط والسفن التابعة للولايات المتحدة والاحتلال والدول الخليجية الموالية لهم، وأن أي منها ستكون عرضة للاستهداف حال حاولت عبور المضيق.
زالزال يضرب الاقتصاد العالمي
قرار لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل أضحى زلزالًا ضرب ركائز الاقتصاد العالمي، وحركة الملاحة الدولية، وكذلك حركة الإنتاج، بما في ذلك عجلة إنتاج النفط والمحروقات، وسلاسل إمداده، ومن ثم أسعاره؛ وكذلك الأمر بالنسبة للغذاء العالمي، حيث يمثل المضيق شريانًا حيويًا للمواد الخام للأسمدة، يمر عبره ما بين ربع إلى ثلث تجارتها العالمية، ما يعني رفع أسعارها بشكل جنوني، كما يؤثر الإغلاق بشكل مباشر على نقل الأمونيا والنيتروجين.
يقول الدكتور "فيصل جلول"- المفكر والباحث والكاتب الصحفي اللبناني- عن الآثار المترتبة على هذا القرار، في تصريحات خاصة لموقع اليوم: "ثمة آثار كثيرة تترتب على قرار إغلاق مضيق هرمز، من بينها: زيادة أسعار النفط- الذي بدأ فعليا في الارتفاع لكن بنسبة يمكن حتى الآن تحملها، وحال استمر هذا الإغلاق سيؤدي إلى إلحاق أضرار جدية بالاقتصاد العالمي، حيث يمر خمس احتياج النفط العالمي في هذا المضيق، كما يمر 5%- 6% منه من مضيق باب المندب، وحال توتر الوضع فيه أيضًا سيكون له عظيم الأثر، إذ تغيب حوالي 25% من احتياجات النفط العالمي عن الأسواق، فتتضرر اقتصادات العديد من الدول؛
وعلى جانب آخر يترك القرار أثره على حركة التجارة المارة عبر المضيق، وهي البضائع القادمة من خارج المنطقة إلى دول الخليج العربي، وتقدر بعشرات المليارات من الدولارات، ويكون على الدول المستقبلي لها الاتجاه إلى ممرات أخرى، عبر تركيا أو حيفا مثلا، لكن يظل ذلك أمرًا صعبًا في ظل الحرب؛ وفي مجمل الأمر، إن طالت مدة إغلاق المضيق سيترك ذلك أثار شديدة السلبية، أما إن كان أمد الحرب قصير فستكون الأثار محدودة، حيث يمكن امتصاص التداعيات".
العالم فوق صفيح ساخن
جنون أسعار الطاقة: فور إعلان الإغلاق، قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز 120 دولاراً للبرميل، مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً حال استمرار الوضع، حيث يمر عبر المضيق 20% من النفط العالمي، وحوالي ثلث الغاز المسال، لا سيما القادم من قطر.
توقف الإنتاج الإقليمي: مع تراكم ناقلات النفط العالقة في المضيق، أعلنت صحيفة بلومبرج اليوم أن الكويت اتخذت قرارًا بتخفيض عمليات تكرير النفط في مصافيها، واضطرت العراق لإغلاق حقولها النفطية بعد امتلاء الخزانات، نتيجة تعذر التصدير بحراً، بينما واجهت دول شرق آسيا (الصين، الهند، اليابان) أزمة إمدادات خانقة تهدد بشلل صناعي.
انهيار سلاسل الإمداد: ارتفعت تكاليف التأمين البحري بنسبة 300%، وتراجعت حركة الشحن المتجهة نحو قناة السويس، ما أثر مباشرة على إيرادات الممرات المائية الدولية.
صمود القرار
على المستوى العسكري، تمتلك إيران ميزة الجغرافيا؛ فعرض المضيق صغير جداً، لا يتجاوز 3 كم، ما يجعل الأسلحة البحرية البسيطة- مثل: الألغام البحرية، والصواريخ الساحلية الجوالة، والزوارق الانتحارية- قادرة على منع أي سفينة من المرور.
وفي هذا الصدد، يقول "جلول": "يمكن لإيران إغلاق المضيق بوسائل محدودة، فهي ليست بحاجة إلى تلك السفن الحربية الضخمة مثلا، حيث تكفي صواريخ الأرض- بحر لتأدية تلك المهمة، أو الغواصات الصغيرة، أو البوارج الحربية الصغيرة التي تشبه المسيرات، وأخيرا يمكن إغلاقه بواسطة المسيرات، وجميعها وسائل متوفرة لديها".
وعلى الجانب الآخر، تواجه إيران ضغطاً عسكريًا هائلاً من (القيادة المركزية للولايات المتحدة- سنتكوم)، التي حشدت 12 قطعة بحرية وحاملات طائرات- مثل: إبراهام لينكولن- لفتح الممر بالقوة، عبر عملية أطلقت عليها اسم: مطرقة منتصف الليل.
وفي الشأن الاقتصادي، يمثل إغلاق المضيق سلاحًا ذو حدين؛ فإيران تصدر 90% من نفطها عبره، وإغلاقه يعني انتحاراً اقتصادياً داخلياً، وتوقف تدفق العملة الصعبة التي تمول آلتها الحربية.
وقد أكمل المفكر اللبناني تعليقه على إمكانية استمرار الإغلاق فقال: "حتى الآن يمكن القول أن إغلاق المضيق ألحق ضررا يمكن استيعابه، لكن إن طال أمد الإغلاق ستضع إيران العالم بأسره على كاهلها، وهنا ما من أحد يعرف كيف ستصمد؛ وفي التجربة السابقة خلال الحرب الإيرانية العراقية- في ثمانينيات القرن الماضي- أدى الصراع على المضيق إلى إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد العالمي".
وتابع: "بيد أن الظروف الآن مختلفة إذ كانت الحرب حينئذ بين العراق وإيران، فيما تقود الآن جبهة الطرف الآخر القوة الأولى في العالم، ومعها القوة الأكثر تسليحا في الشرق الأوسط وهي إسرائيل، والمجال مفتوحًا لدخول دول أوروبية فيها، وعلى الرغم من رفضها الدخول في الحرب، لكن إن طال إغلاق المضيق ستدخل، لتصبح إيران في مواجهة العالم، وحال تفاقم الوضع ستتدخل الصين، لأنها من أكثر المتضررين من إغلاق المضيق، ومثلها الهند وغيرها؛ ما تعجز معه طهران عن مجابهة كل تلك الدول الكبرى".
وأضاف عن جدية التهديدات الأمريكية بفتح المضيق بالقوة، فقال: "كيف يمكنها فعل ذلك وبأي قوة، لو أن الأمر يتعلق بإغراق السفن الحربية الإيرانية فالأمريكي يقول أنه أغرقها جميعا، وهي ليست عصية على الإغراق، ولكن كيف يمكن التصدي للمسيرات، والزوارق الانتحارية والغواصات؟ وإن رافقت القطع الحربية السفن التجارية، وأطلقت الزوارق أو المسيرات الانتحارية نيرانها على السفن التجارية فأعطبتها أو أغرقتها، فماذا يمكن للقطع الحربية المرافقة لها أن تفعل؟ وكيف تحميها؟ وبأي وسيلة؟
وخير مثال على ذلك، هو عدم استطاعة حماية دول الخليج من المسيرات الإيرانية والصواريخ، وعجز القبة الحديدية والصواريخ الاعتراضية عن التصدي لها، فباتت وسائل التصدي تلك تستنزف في الحرب وإعادة إنتاجها غير ميسرة، ومن هنا تكون حماية القطع البحرية الأمريكية لحركة الملاحة في المضيق أمر شديد الصعوبة، لا سيما إن كانت المواجهة بين تلك القطع، ووسائل القتال الإيرانية من المسيرات والصواريخ بعيدة المدى والقصيرة والمتوسطة، أو تلك التي تطلق بمجموعات تعجز أمامها قوة الصد".
التراجع أم المواجهة؟
التاريخ والواقع الحالي يشيران إلى أن إيران قد لا تستطيع الاستمرار في الإغلاق الكامل لفترة طويلة، فيما قد لا يكون التراجع هزيمة بل مقايضة، تستخدم فيها طهران هذا الإغلاق باعتباره ورقة ضغط قصوى، لإجبار واشنطن على وقف دعم الضربات الإسرائيلية أو الدخول في مفاوضات تحت النار.
ومن هنا تكون حالة المضيق أمام احتمالين: فإما أن يُفتح المضيق بصفقة سياسية تضمن أمن المنشآت الإيرانية، أو يفتح بقوة السلاح في مواجهة بحرية كبرى، ربما تودي بالأسطول الإيراني إلى التدمير الكامل.
وعن إيران بين النصر والهزيمة في معركة المضيق الحيوي، لفت "جلول" إلى أنه "ما من سبيل لمعرفة كيف يمكن لأمريكا أن تنتصر في هذه المجابهة؟ وكيف يمكن لها أن تحمي مضيق هرمز؟ فعلى سبيل المثال، في الحرب العراقية الإيرانية حاولت الولايات المتحدة حماية المضيق، لكنها لم تتمكن من تأمين المرور التجاري بهذه المنطقة وحماية السفن بنسبة ١٠٠%؛ في المقابل، نجد أن إيران تربح تلك المعركة حال تمكنت من إعطاب ٣ سفن من أصل 10 مثلا، فالأصل ليس في عدد السفن التي تنجو من الاعتراض، إنما في إرهاب السفن ومن ثم حملها على عدم المرور في المضيق، وعليه ترتفع أسعار التأمين، بسبب وجود اعتراضات للسفن، ومع ارتفاعها الكبير يكون المرور من المضيق غير مفيد، وتبرز ضرورة البحث عن طرق أخرى،
وفي السياق ذاته، من الصعب ضمان حماية المرور التجاري بالمضيق، حيث سيتم عرقلتها في النهاية بنسبة ما، وبينما تقدر نسبة العرقلة حاليًا بحوالي 90%، قد تنخفض حال وضعت الولايات المتحدة ثقلها العسكري في المضيق إلى 30- 50%، تبقى تلك النسبة كافية لجعل المرور في المضيق مكلفا، وبالتالي حمل الكثير من الشركات على تجنبه".
وفي النهاية، مضيق هرمز هو الورقة الإيرانية الأخيرة، وإغلاقه هو إعلان بأن الكل سيخسر، فالعالم لا يتحمل انقطاع شريان الطاقة، وإيران لن تتحمل خنق نفسها اقتصادياً للأبد.