في قلب المواجهة المشتعلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة والاحتلال من جهة أخرى، برز سلاح الرؤوس الانشطارية، باعتباره واحد من أخطر الأوراق التي تملكها طهران لخلخلة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، إذ لم تعد تلك التكنولوجيا محض استعراض للقوة، بل تحولت إلى واقع ميداني أربك حسابات السهم والمقلاع.
القوة التدميرية للصواريخ
تعتمد إيران في هجماتها على صواريخ باليستية من طراز: خيبر شكن، وقدر وعماد، المزودة برؤوس حربية انشطارية. تكمن قوتها في:
تضليل الدفاعات: عند اقتراب الصاروخ من هدفه، ينفصل الرأس الحربي إلى عشرات (القذائف الصغيرة- Sub-munitions)، مما يجعل اعتراضها جميعاً بواسطة القبة الحديدية أو آرو أمراً مستحيلاً تقنياً.
مساحة التدمير: بدلاً من الانفجار في نقطة واحدة، يغطي الصاروخ الانشطاري مساحة جغرافية واسعة- تصل أحياناً لقطر 8 كم، ما يجعله مثالياً لاستهداف مدارج المطارات وتجمعات الآليات.
وقد شرح اللواء أ.ح "محمد رشاد"- الوكيل الأسبق لجهاز المخابرات العامة ورئيس ملف الشئون العسكرية الإسرائيلية منذ نكسة 1967 حتى كامب ديفيد- تكنولوجيا الصواريخ المتطور التي تنتجها إيران، في تصريحات خاصة لموقع اليوم، فقال: "من يملك التكنولوجيا النووية يستطيع أن يطور قدراته الصاروخية بقدرات فائقة السرعة والشدة، ويبدو واضحا أن إيران اليوم أضحت تملك هذه التكنولوجيا؛ ومن ثم ليس من المستغرب أن نجد الصواريخ الإيرانية تمتاز بدقة إصابة هدفها، حيث تضرب هدف وليس مساحة، بتوجيه سليم بنسبة 100%".
وأضاف: "ومن المثير في أمر الصواريخ الإيرانية أنها بفضل التكنولوجيا النووية تصل هدفها دون حاجة للاتصال بالأقمار الصناعية، مثلما هو معتاد في الصواريخ الموجهة لهدف، ومن هنا تكون قدراتها فائقة للعادة، حيث يتم التحكم في توجيهها على المدى والهدف وهي ميزة تتوج قدرات إيران، وتفوق أي دولة في المنطقة، ما يعزز قدرة الردع لديها، التي نرى أصدائها في الشارع الإسرائيلي اليوم وداخل القواعد الأمريكية".
الوقائع الميدانية
خلال جولات التصعيد السابقة، لا سيما في هجمات أكتوبر 2024 ويونيو 2025، رصدت التقارير الدولية والميدانية ما يلي:
استهداف القواعد الجوية: نجحت هذه الصواريخ في الوصول إلى قواعد استراتيجية، مثل: نيفاتيم وحتسريم، وعلى الرغم من التكتم، أظهرت صور الأقمار الصناعية فجوات في المدارج وأضراراً في منشآت الصيانة.
الاستنزاف المالي: أجبرت الرؤوس الانشطارية إسرائيل على إطلاق رشقات مكثفة من صواريخ الاعتراض- التي يصل سعر الواحد منها 3.5 مليون دولار، ما سبب استنزافاً حاداً في المخزون الدفاعي.
الأثر النفسي: تسبب سقوط الشظايا الانشطارية في مناطق، مثل: رمات جان وتل أبيب، في تضرر مئات المباني والسيارات، ما نقل المعركة من الجبهات العسكرية إلى عمق المدن.
وفي هذا، علق اللواء "رشاد" على ما نراه في ميدان القتال، قائلًا: “إيران في هذه المواجهة تكون أو لا تكون، ولن تمسك العصا من المنتصف، ومن الواقع أمامنا يبدو أن صمود النظام الإيراني يمنحه أرضية قوية يقف عليها، وربما يكون له عظيم الأثر في تغيير شكل المنطقة، بتغيير الوجود والنفوذ الأمريكي والأجنبي فيها، فالدول التي لديها قواعد أمريكية وتدفع للولايات المتحدة مليارات الدولارات لأجل حمايتها، لم تجن شيئًا من وراء ذلك، وفشل المارد الأمريكي في توفير الحماية اللازمة لها، ومن ثم ستعيد تلك الدول حساباتها، لتفكر جديًا في الاعتماد على ذاتها، دون المظلة الأمريكية للدفاع”.
عدد الصواريخ المستخدمة
منذ بداية المواجهة المباشرة في أبريل 2024 وحتى مطلع عام 2026، تشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران أطلقت أكثر من 750 صاروخاً باليستياً في هجمات مباشرة واسعة النطاق، ومن بين هذا العدد، استُخدمت الصواريخ ذات الرؤوس الانشطارية والمتعددة في حوالي 15%- 20% من الرشقات النوعية لضمان الاختراق.
وفي الهجوم الأخير، أكدت تقارير الإعلام العبري استخدام 3 صواريخ انشطارية ثقيلة، استهدفت مراكز حساسة في تل أبيب وبني براك ومناطق وسط الأراضي المحتلة، وعبر تلك الصواريخ، يبقى الهدف الثابت لإيران التفوق على التكنولوجيا الدفاعية الأكثر تطوراً في العالم، عبر كثافة النيران وتطور الرؤوس الحربية.
وفي ختام تصريحاته، أجمل اللواء "رشاد" توقعه لما سيحدث وفقًا لمعطيات الميدان، فقال: "إيران لن توقف ضراباتها إلا حين تجد نفسها تقف في موقع أعلى من الأطراف الأخرى، فلديها هدف كبير جداً في المنطقة، وعن طريق صواريخها تستطيع إيقاع الخسائر الفادحة بعدوها، حتى تعيد التوازنات داخل المنطقة، فتلك مواجهتها الأخيرة، فإما تثبت قدرتها أو تضيع، وأعتقد أنها قادرة بإمكانياتها الصاروخية- بصرف النظر عن الخسائر اللي حدثت لها- ولن تضيع؛
وحتى مع اغتيال القادة، نجد طرفا آخر ظهر بقوة في هذ المعادلة هو الشعب، الذي يتطلع من أقصى يمينه إلى أقصى يساره أن تصبح بلاده قوة نووية، ورهان إسقاط النظام نتيجة ثورة الشعب ضد النظام محض تراهات، تمثل سقطة كبيرة للطرف الأمريكي- الإسرائيلي، حيث لم يدرسوا طبيعة الشعب الذي يحاربون، إذ أنه في حالة التهديد الخارجي يلتف الشعب حول النظام، لأن الخسائر ستطال الشعب كله، وعليه لن يثور على نظامه بسبب تلك الحسابات".