بدأ المشهد في الحلقة التاسعة لمسلسل "صحاب الأرض" بمشهد مؤثر، حيث يظهر طفل صغير يحاول استخراج الغاز من البلاستيك ليبيعه للناس، بينما يقول السائق المصري سمير (عصام السقا): "حرام والله طفل زي ده المفروض يعيش طفولته ويلعب ويتنطط ويفرح زي بقية العيال". رد الشاب الغزاوي ناصر (إياد نصار) بمرارة: "مفيش أطفال في غـزة يا سمير".
ما بدا مجرد مشهد درامي للمشاهد، كان في الواقع تصويرًا لحياة حقيقية عاشها الطفل الغزاوي بلال العويطي، الذي يبلغ من العمر عشر سنوات.
ومسلسل صحاب الأرض المصري يعرض خلال رمضان 2026، يروي مأساة غزة الحقيقية، من تأليف عمار صبري وإخراج بيتر ميمي، وبطولة منة شلبي وإياد نصار وكامل الباشا وعصام السقا.

الحكاية خلف الكواليس
تروي والدته، شيماء العويطي، الحكاية خلف الكواليس، مؤكدة أن المشهد لم يكن موجودًا بهذا الشكل في البداية، وأن فريق العمل قرر تنقيحه بعد معرفة قصته الواقعية.
وفي حديثها لـ"اليوم" تقول شيماء: "بلال قضى أربعة أشهر في الحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وفقد خلالها أخوين له، طفلة عمرها 10 أشهر وطفل عمره 3 سنوات، عندما قصف منزل أقاربهم. وبمعجزة، نجا بلال من تحت الأنقاض، وأصبح اليوم قادرًا على سرد قصته للعالم".
وتبدأ شيماء بسرد تفاصيل الحياة قبل الحرب: "كنا عائلة عادية في الجنوب، يعيش بلال طفولته الطبيعية بين إخوانه وأقاربه. كان يلعب، يركض، يتعلم، ويستمتع بالحياة مثل أي طفل آخر. والده كان طبيب أسنان، كنا نعيش عيشة بسيطة وسعيدة. لم نكن نتخيل أبدًا أن حياتنا ستتغير بهذه الطريقة المفجعة".

القصف الأول
تتطرق شيماء إلى اللحظة التي بدأت فيها الحرب: "في اليوم الأول للقصف، أصاب المنزل الذي نقيم فيه تدمير كبير. لم يكن هناك مكان للاختباء، وكل ما حولنا أصبح أنقاضًا. أصيب بلال في رجله، وكنا نحن مضطرين للهرب بسرعة. وانتقلنا إلى بيت أقاربنا في المنطقة الوسطى، لكن القصف لم يتوقف. بعد يومين، قصفوا بيتًا آخر، وفقدنا إخوة بلال الصغار. لم نكن نفهم لماذا يحدث كل هذا، وكيف سننجو. بلال وأخته الصغرى كانوا بلا نفس، وأطباء بإعجوبة أعادوهم للحياة مرة أخرى".
وتصف شيماء مشهد فقدان أطفالها: "استودعنا أطفالنا عصافير في الجنة، ذهبنا لدفن إخوتهم، وكان ممنوعًا التجمع بسبب القصف المستمر. كنا نحن الوالدان، نحمل الحزن والدموع، ونحاول حماية ما تبقى من أولادنا. بعد ذلك، اضطررنا للنزوح مرة ثالثة، وأصبحنا بلا مأوى، بلا طعام، بلا ملابس، فقط مع أطفالنا في خيمة صغيرة تتساقط عليها قطرات المطر والبرد القارس"


الخروج لمصر
تستكمل الأم سرد رحلتهم نحو مصر: "بعد مرور حوالي عشرين يومًا، تم نقل بلال وأشقائه إلى مصر. لم يذهب معهم الأب أو الأم في البداية، بل الأطفال الصغار وحدهم، لم يعرفوا شيئًا عن العالم من حولهم سوى القصف والموت. وبعد شهر، وصلت أنا إلى مصر، محملة بكل الجهد لأعيد توازن نفسي أطفال عاشوا الموت بعينيهم. حاولت تعديل نفسية بلال وأشقائه بعد كل ما مروا به، والحمد لله، اليوم نحن بخير نسعى للعيش بسلام، ولكن بقي الأب في غزة".

دوره في صحاب الأرض
تشير شيماء إلى اللحظة التي دخل فيها بلال عالم الفن: "قبل عدة أشهر، شاهدنا إعلانًا عن مسلسل فلسطيني. اتصلوا ببلال بعد أن استمع المخرج بيتر ميمي لقصة حياته، واختير ليكون أحد أبطال العمل. كان شعور بلال متناقضًا، فقد تأثر للغاية عند تذكر الأحداث، لكنه أيضًا سعيد لأنه يمثل قضية حقيقية عاشها. يشعر الآن بالفخر لأنه يمكنه نقل رسالة كل أطفال غزة للعالم".
وتضيف الأم: "المشهد الذي يظهر على الشاشة ليس مجرد تمثيل، بل انعكاس مباشر لمعاناة حقيقية. بلال كان يسيح البلاستيك لاستخراج الغاز ليبيعه، وهذا يعكس حياة أطفال غزة الذين اضطروا للعمل الصغير منذ الصغر، فقط للبقاء على قيد الحياة. نحن نأمل أن يرى المشاهدون أن وراء كل مشهد درامي، هناك قصص حقيقية تستحق الاهتمام والدعم".
تحية بلال لأطفال غزة
تختم شيماء حديثها برسالة من بلال: "يرسل بلال تحية لكل أطفال غزة، ويقول لهم إنهم ليسوا وحدهم. حياتهم ثمينة، وأن رغم كل الصعاب، هناك أمل، وهناك من يشارك قصصهم للعالم. الفن، كما يقول بلال، أصبح وسيلة لتخليد ذاكرتهم ولإيصال صوتهم لمن لا يعرفون ما يحدث في غزة".
هكذا تحول الألم الشخصي إلى تجربة فنية على الشاشة، ليصبح بلال نموذجًا حيًا لقدرة الأطفال على النجاة والصمود، ولأهمية تقديم قصصهم للعالم.
والمشهد في "صحاب الأرض" لا يعكس فقط مأساة طفولة بلال، بل يحاكي تجربة ملايين الأطفال الذين عاشوا الحرب، فقدوا أحبائهم، وواجهوا الموت بعزيمة لا تقهر.
بفضل هذا العمل، يمكن للجمهور المصري والعربي أن يرى غزة بعيون طفل عاشها بالفعل، ويشعر بالإنسانية التي تربط الجميع رغم بعد المسافات وفارق التجارب.
