تأتي ذكرى العاشر من رمضان من كل عام لتعيد إلى الأذهان واحدة من أعظم لحظات الفخر في التاريخ المصري الحديث، حين نجحت القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف خلال حرب أكتوبر 1973. ففي العاشر من رمضان 1393 هجريًا، الموافق السادس من أكتوبر، تحوّل الصيام إلى طاقة إيمان، والإرادة إلى سلاح، لتبدأ معركة استرداد الأرض وكتابة فصل جديد من الكبرياء الوطني.


الضربة الجوية الأولى.. شرارة البداية


مع حلول الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت الضربة الجوية الأولى معلنة بدء العمليات العسكرية، في تنسيق محكم بين مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة. جاءت الضربة دقيقة ومباغتة، استهدفت مواقع العدو ومراكز قيادته، ومهّدت الطريق لعبور القوات البرية، في خطوة اعتبرها خبراء عسكريون من أدق العمليات التخطيطية في الحروب الحديثة.


تحطيم خط بارليف.. سقوط أسطورة


نجحت وحدات المهندسين في استخدام خراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، ليبدأ الجنود في اقتحام أحد أقوى التحصينات العسكرية في العالم آنذاك. وسقط خط بارليف خلال ساعات، لتنهار معه مقولة “الجيش الذي لا يُقهر”، ويتحول العبور إلى رمز لقدرة الإنسان المصري على قهر المستحيل.


قيادة سياسية وعسكرية موحدة


خاضت مصر الحرب بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي اتخذ قرار المواجهة في لحظة تاريخية فارقة، مؤمنًا بحق مصر في استعادة أراضيها. وعلى المستوى العسكري، قاد العمليات الفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية، والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة، في تناغم واضح بين الرؤية السياسية والتخطيط العسكري.


العاشر من رمضان.. إرادة صائمين


لم يكن اختيار هذا اليوم مصادفة، بل جاء ضمن خطة خداع استراتيجي محكمة أربكت حسابات العدو. وبرغم الصيام، أظهر الجنود عزيمة استثنائية وروحًا معنوية مرتفعة، مؤكدين أن الإيمان بالقضية كان الدافع الحقيقي وراء الصمود والانتصار.


من النصر العسكري إلى استعادة الأرض


أعادت الحرب رسم موازين القوى في المنطقة، ومهّدت لمسار سياسي انتهى بتحرير كامل الأراضي المحتلة في سيناء. وأصبحت ذكرى العاشر من رمضان محطة مضيئة في التاريخ الوطني، تؤكد أن التضحيات لا تذهب سدى، وأن الكرامة تُنتزع بالإرادة والعمل.
وتظل هذه الذكرى المجيدة حاضرة في وجدان المصريين، ليس فقط باعتبارها نصرًا عسكريًا، بل باعتبارها درسًا خالدًا في وحدة الصف وقوة العزيمة. ففي العاشر من رمضان، كتب المصريون صفحة من نور، أثبتوا فيها أن الأوطان تُحمى بدماء أبنائها، وتُبنى بإصرارهم على مستقبل أفضل. من رمضان.. ملحمة العبور واستعادة الكرامة الوطنية.