بينما يندد "ستيفان دوجاريك"- المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة- بالمأساة الإنسانية التي يعيشها المرضى والجرحى في غزة، دون أن يغير وقف إطلاق النار الجاري العمل به منذ قرابة 5 شهور فيها شيئًا، قائلًا: إن 18500 مريض وجريح في غزة بينهم 4000 طفل بحاجة للإجلاء الطبي خارج القطاع، بسبب الانهيار الكامل للمنظومة الصحية، واستمرار إغلاق المعابر، كانت الحقيقة في غزة أكثر قسوة كثيرا من معلوماته.
حقيقة الأرقام
صحح الدكتور "أحمد الفرا"- مدير مستشفى التحرير للأطفال والولادة بمجمع ناصر الطبي- معلومات المسؤول الأممي في تصريحات خاصة لموقع اليوم، قال فيها: "هناك قرابة ٢٢ ألف حالة طبية بحاجة لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، بينهم ٥ آلاف طفل، و ٥ آلاف حالة حرجة للغاية، وبحاجة إلى الخروج بأقصى سرعة ممكنة".
وفيما كانت منظمة الصحة العالمية تتحدث عن إجلاء ٥ مرضى يوميا، راح يؤكد أن تلك الوتيرة لا تلبي شيئًا من حاجة القطاع، الذي يحتاج إلى إجلاء ٥٠ مريضًا يوميًا، فبتقسيم ٢٢ ألفًا- عدد المرضى الذين يحتاجون الإجلاء- على خمسة مرضى يوميا، سيحتاج القطاع إلى ٤٤٠٠ يوم تقريبا لإتمام إجلائهم، ما يعني أن معظمهم ستوافيه المنية وسط المعاناة قبل إجلاءه، بسبب سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال، فلا يجلي يوميا سوى ٥- ١٠ مرضى فقط- وفقا لتصريحات الطبيب الغزي.
وأضاف: "فعليا توفيت ١٣٠٠ حالة بينما كانت في انتظار الإجلاء خارج القطاع، فالإجلاء الطبي بتلك النسب يكاد يكون صفريًا، مقارنة بضغط الاحتياج في القطاع، وهو أمر مستمر طوال الشهور الماضية منذ وقف إطلاق النار".
المناشدات والقتل الصامت
أشار "الفرا"- في معرض حديثه عن تلك الجريمة- بأصابع الاتهام للاحتلال، محملا إياه المسؤولية عن قتل أولئك المرضى، فقال: "الاحتلال يمنع الإجلاء الطبي بالمماطلة الكثيرة، وبكل أسف كل يوم لديَّ وفيات في المستشفى، في أقسام: الحضانة والأطفال والعناية المركزة للأطفال والعناية المركزة للكبار، بينما كانوا ينتظرون التحويل خارج القطاع".
وشدد على إطلاق كم هائل من المناشدات لكل حالة دون مجيب، قائلًا: "أطلقنا آلاف المناشدات لإنقاذ الحالات الأكثر حرجًا، وعلى سبيل المثال: في حالة مريض يدعى (محمد أشرف عزات ضبان) ناشدنا العالم كله تقريبًا، وكل يوم نطلق مناشدات جديدة لأطفال، دون تلقي إجابة بكل أسف، ما يؤدي لوفاتهم قبل الموافقة على خروجهم؛ حيث يتفنن الاحتلال في قتل هؤلاء بصمت، إنه القتل الصامت".
ووسط مستشفيات متهالكة محرومة من أبسط الإمكانيات، حتى خرجت معظمها من الخدمة، بفعل استهداف الاحتلال المباشر للمرافق الصحية، ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، اكتظت المستشفيات وأقسام العناية المركزة بمرضى وجرحى يعانون إصابات بالغة، وأمراض مستعصية، أو بتر في الأطراف، وتتوقف حياتهم اليوم على قرار إجلاء، غالباً ما يتأخر ليكون بمثابة حكم بالإعدام.
في اليوم، حصلنا على وثائق لنماذج حقيقية لمرضى أعدمهم الاحتلال بتأخير الإجلاء، بينهم رضع بعمر شهور أو أيام، نعرضها في السطور التالية:
محمد أشرف ضبان

"محمد أشرف عزات ضبان- ٢٢ سنة" أحد آبرز ضحايا انتظار الإجلاء الطبي، الذي لم يأتي، وقد شرح "الفرا" حالته المرضية، واحتياجاته العلاجية التي لم تلبى، قائلًا: إنه "كان مصابًا بمتلازمة (ستيفن جونسون سندروم- Stevens Johnson Syndrome)، وتطورت إلى (Toxic Epidermal Necrolysis)، وقد كان بحاجة إلى علاج (الجلوبولين المناعي الوريدي- Intravenous Immunoglobulin IVIG) غير المتوفر في غزة، ومنذ يوليو الماضي أعطي قرار تحويل للعلاج بالخارج دون إجابة، حتى توفي بعد معاناة شديدة مع المرض".
وتابع: "وذلك بعد أن تم مناشدة العالم أجمع، والمجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية، والأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، لإخراجه من البلد لتلقي العلاج، وقد كان قبل إصابته بالمرض شابًا سليمًا معافى لا يعاني من شيء، وعلاجه كان أمرًا بسيطا لو توفر في مستشفيات القطاع، أو تم تنفيذ قرار إخراجه، لكنه ظل في المستشفى حتى وفاته دون استجابة".
عبد المالك بركة

في عمر ثلاثة شهور، توفي الطفل "عبد الملك بركة"، بسبب المماطلة في إخراجه من البلاد لتلقي العلاج، حيث "كان يعاني من مشكلة قلب ولادية، تمثلت في ثقب ما بين البطينين، وتَضَيُّق شديد في الشريان الأبهري أو الأورطي- الشريان الرئيسي المسؤول عن تغذية كامل الجسم بالدم، ما تسبب له في صعوبات كبيرة في التغذية والتنفس، تطورت إلى نوبات اختناق متكررة، وتغير لون جلده إلى الأزرق، ليجعل منه حالة شديدة الحرج"- حسب "الفرا".
وأضاف: "وذلك في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، والعلاجات اللازمة، ما جعل الفريق الطبي يقف عاجزاً عن تقديم التدخل اللازم لإنقاذه، لاسيما مع التدهور السريع للحالة، وقد حذر الأطباء من أن حياته ستكون في خطر كل لحظة، ما لم يتلقى العلاج بشكل عاجل".
وتابع: "ومن هنا كان يحتاج للتحويل إلى الخارج بأي شكل، لإجراء عملية توسيع له، ثم يعيش حياته بعد ذلك بشكل طبيعي فور تعافيه منها، لكن ذلك لم يحدث، على الرغم من كافة المناشدات، وقد أعطي الطفل قرار التحويل للخارج منذ قرابة الشهرين، لكن دون استجابة، فبقي في المستشفى، ثم نقل إلى قسم العناية المركزة، وتطورت حالته إلى نقص شديد في الأكسجين، قبل أن ينتقل إلى جوار ربه".
لانا زعرب

بسبب معاناتها مع متلازمة (فانكوني بيكل- Fanconi Bickel Syndrome)- الخلل الجيني النادر، رحلت الطفلة "لانا زعرب"، مع عدم الاستجابة لمناشدات تحويلها للعلاج خارج البلاد، عقب الانهيار الحاد في وضعها الصحي، حيث أدى مرضها لإصابتها بلين شديد في العظام، وتضخم حاد في الكبد والطحال، والتهابات متكررة في الجهاز التنفسي، وارتفاع دائم في الحرارة، وفقدان القدرة على الحركة، وفي النهاية أضحت تعيش تحت جهاز الأكسجين حتى لحظاتها الأخيرة.
سجود أبو عليان

لم تكمل الطفلة الرضيعة "سجود أبو عليان" أسبوعًا من عمرها، ورحلت عن عالم رفض الرأفة بجسدها الصغير الضعيف، الذي احتاج لتدخل طبي عاجل، بسبب معاناتها منذ الولادة من تشوهات خلقية خطيرة ومعقدة في القلب، أبرزها تَضَيُّق شديد وخطير في الشريان الأبهري/ الأورطي، وثقب خطير بين البطينين، وآخر كبير بين الأذينين، وتطورت الحالة إلى نقص حاد في الأكسجين في دمها، أدى إلى تغير لون جلدها إلى الأزرق، وذلك بخلاف ضعف في أحد صمامات القلب، وارتفاع في ضغط الدم داخله.
وقد حذر الأطباء مرارًا من أن حالتها تتدهور بشكل سريع، ما يستدعي تحويلها للعلاج بالخارج في أسرع وقت، حيث نتج عن التشوهات الخطيرة بالقلب ضعف ضخ الدم المؤكسج إلى أنحاء الجسم، ما أحال حالتها إلى فئة الحالات الأكثر حرجًا وخطورة، ولكن دون استجابة، فقد صمت آذان العالم ومؤسساته ومجتمعه الدولي عن سماع أنين مثل ذلك الجسد الرقيق، حتى صعدت روحها إلى بارئها.
وفي النهاية كانت المحصلة، أن الإجلاء الطبي هو اختبار حقيقي للضمير العالمي، رسب فيه رسوبا مدويًا، مع نجاح الاحتلال في تحويل الحق الطبيعي في العلاج إلى حلم بعيد المنال، يرنو إليه آلاف العالقين في أقسام المستشفيات المتهالكة، وغرف العناية المركزة.