بعد استهداف مستشفى لعلاج مرضى السرطان في إيران، وما أسفر عنه من موت الكثير من المرضى العُزّل الذين كانوا يرجون الشفاء، هل يُعدّ ذلك تأكيداً على عدم وجود خلاف بين السياسة الإسرائيلية والأمريكية التي تقود مجلس الأمن وتدعي حماية حرية الشعوب؟ وفي المقابل، ما الجدوى من ضرب البنية التحتية في دول الخليج؟ وهل تُعتبر هذه الضربات موجعة حقاً للقواعد الأمريكية المنتشرة هناك؟ ولماذا طالت الضربات الإيرانية قاعدة التنف في سوريا؟
إننا أمام تطور لافت في الصراع المحتدم بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى، حيث يتجلى بوضوح عدم التكافؤ في القوة الجوية؛ إذ تسيطر الولايات المتحدة وإسرائيل على الأجواء، ونجحتا في تدمير خمسة جسور رئيسية، وجزء كبير من البنية التحتية، كخطوط السكك الحديدية، وبعض المطارات والموانئ، ومنشآت الطاقة. يمثل هذا خسارة فادحة لإيران التي لم تُسقط طائرة واحدة، مكتفيةً بتوجيه ضربات لدول الجوار.
هنا يتبادر إلى الذهن تساؤل حول ما إذا كانت هذه الضربات مجرد غطاء لتدمير العالم العربي وبنيته التحتية، كمحطات المياه في الكويت التي تُعد شريان الحياة فيها، بهدف إفراغ دول الخليج من مقومات العيش لتصبح لقمة سائغة، سعياً لتحقيق نبوءة "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"، ولذا، تم استهداف مواقع في الكويت، والعراق، والأردن، والبحرين، بالإضافة إلى قاعدة الأمير سلطان في الخرج بالمملكة العربية السعودية بزعم وجود قواعد أمريكية فيها، بينما يظل التساؤل قائماً عن سبب تجنّب استهداف إسرائيل التي تُمثّل "رأس الأفعى".
تعمل إسرائيل حثيثاً على تنفيذ مخططٍ توسعيٍّ رسمته لنفسها، يهدف إلى إقامة "إسرائيل الكبرى" أو "أرض الميعاد" الممتدة من النيل إلى الفرات، وفي سبيل هذا الهدف، سعت إلى تفتيت دول المنطقة وإغراقها في الصراعات؛ فقد نال سوريا التمزق، وانخرط أهل السودان في حربٍ داخلية، وتشتت ليبيا، وانقسام اليمن طائفياً، وضاقت سبل العيش في لبنان، فضلاً عن الصراع مع إيران، كل ذلك يأتي ضمن استراتيجية أشمل وُثقت في عام 1982، وتستند إلى تأويلات توراتية مفادها "من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"، وهو ما يفسر تصميم العلم الإسرائيلي الذي يرمز بخطّيه الأزرقين إلى هذين النهرين.
تتأسس العقيدة الإسرائيلية على قناعة مفادها أن بقاء إسرائيل مرهونٌ بإسقاط القوى الإقليمية المحيطة بها، وتجريدها من مقومات قوتها العسكرية والاقتصادية والبنيوية، وما نراه اليوم من حروب تحت ذرائع "الانتقام" ليس إلا غطاءً لأهداف أبعد مدى، غاب إدراكها عن الكثيرين، فمن احتلال العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل، إلى غزو أفغانستان تحت عنوان مكافحة الإرهاب، وصولاً إلى ما يحدث اليوم في غزة وجنوب لبنان وسوريا، تبدو البوصلة قد تاهت والقدوة قد ضاعت، مما مكّنهم من بسط نفوذهم، لكن ايمانًا منا جميعًا أن مآل هذا المخطط هو البوار.
إن الأحداث القادمة حبلى بالمخاطر، لا سيما مع احتمالية استهداف مصر وتركيا بعد إيران، والعمل على الهيمنة على موارد النفط في الخليج. لذا، تبرز ضرورة قصوى لتفعيل القوة العسكرية المشتركة للعالمين العربي والإسلامي قبل فوات الأوان، ومع ذلك، تظل بارقة الأمل قائمة في حتمية زوال إسرائيل، فسنّة التاريخ تؤكد أن كل صعودٍ يعقبه هبوط، وإن طال الأمد، فما طار طيرٌ وارتفع، إلا كما طار وقع.