لم تعد قضية المياه تقتصر على إدارة مورد طبيعي أو مواجهة تحديات محلية، بل أصبحت أحد الملفات الأكثر ارتباطًا بمستقبل التنمية والاستقرار العالمي، في ظل ما يشهده العالم من تغيرات مناخية متسارعة، وتزايد الضغوط على الموارد المائية، واتساع الفجوة بين الاحتياجات المتنامية والموارد المتاحة، وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 باعتباره محطة دولية مهمة للانتقال من مرحلة التعهدات السياسية إلى مرحلة المبادرات القابلة للتنفيذ.

وخلال الاجتماع الوزاري التحضيري للمؤتمر، الذي استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية السنغال على هامش المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، استعرض الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، الرئيس المشارك للحوار التفاعلي الثالث "المياه من أجل الكوكب" إلى جانب اليابان، ملامح التقدم المحرز في أعمال الحوار والجهود الجارية لبناء أجندة تنفيذية قادرة على إحداث أثر مستدام يتجاوز حدود المؤتمر نفسه.

وأكد سويلم أن التحضيرات الجارية تعكس توجهًا دوليًا متزايدًا نحو التعامل مع المياه باعتبارها محورًا جامعًا لقضايا المناخ والطاقة والأمن الغذائي والتنوع البيولوجي والتنمية الاقتصادية، مشيدًا بالجهود التي تقودها الإمارات والسنغال لضمان مسار تحضيري يتسم بالشمولية ويركز على النتائج العملية.

وأوضح أن إطلاق مسار استقبال المبادرات الرائدة يمثل أحد أهم التطورات في التحضير للمؤتمر، إذ يفتح المجال أمام الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية لتقديم مبادرات قابلة للتطبيق تسهم في معالجة التحديات المائية العالمية، وتؤسس لإرث تنفيذي يمتد أثره إلى ما بعد عام 2026.

وأشار وزير الري إلى أن مصر واليابان حرصتا، منذ تكليفهما برئاسة الحوار التفاعلي الثالث، على تنفيذ مشاورات موسعة مع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة والمؤسسات المالية ووكالات الأمم المتحدة ومختلف الشركاء، بهدف بناء رؤية تشاركية تعكس أولويات المجتمع الدولي، وتسهم في صياغة مخرجات قابلة للتنفيذ تستجيب للواقع المائي الجديد الذي يفرضه تغير المناخ.

ولفت إلى أن هذه المشاورات أسهمت في بلورة مجموعة من المبادرات الواعدة، من بينها المبادرة المصرية لبناء قدرات الكوادر الأفريقية في قطاع المياه من خلال تدريب ألفي متخصص أفريقي، بما يدعم نقل المعرفة وتعزيز القدرات الفنية والمؤسسية بالقارة، ويعكس توجهًا نحو الاستثمار في العنصر البشري باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق الأمن المائي المستدام.

كما تعمل مصر، بالتعاون مع شركائها الدوليين، على تطوير عدد من المبادرات الأخرى التي تستهدف توسيع نطاق الحلول المبتكرة في قطاع المياه، وتشمل الإدارة المستدامة للمياه الخضراء، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنبؤات الهيدرولوجية وإدارة المخاطر، وتعزيز إدماج قضايا المياه ضمن اتفاقيات ريو الثلاث الخاصة بالمناخ والتنوع البيولوجي ومكافحة التصحر، إلى جانب دعم التعاون في مجالات الموارد المائية غير التقليدية وإدارة المياه العابرة للحدود.

وتعكس هذه المبادرات توجهًا متناميًا داخل منظومة الأمم المتحدة نحو بناء روابط أكثر قوة بين المياه وبقية ملفات التنمية والاستدامة، بما يضمن التعامل مع التحديات البيئية من منظور متكامل، ويرسخ مكانة المياه كأحد المفاتيح الرئيسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار، يكتسب أسبوع القاهرة التاسع للمياه، المقرر عقده في أكتوبر المقبل، أهمية خاصة باعتباره إحدى المحطات الرئيسية على طريق الإعداد للمؤتمر، حيث من المنتظر أن يشهد عرض الملامح شبه النهائية للحوارات التفاعلية المختلفة، ومناقشة المبادرات المطروحة، بما يسهم في تعزيز الزخم الدولي ودعم التوافق حول مخرجات عملية قابلة للتنفيذ.

وبينما تتواصل التحضيرات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، يبدو أن التحدي الأكبر لم يعد في تشخيص الأزمات المائية العالمية، بل في القدرة على تحويل المعرفة والتمويل والشراكات الدولية إلى إجراءات واقعية تعزز قدرة المجتمعات على التكيف، وتدعم استدامة الموارد المائية، وتؤسس لمسار أكثر مرونة في مواجهة مستقبل تزداد فيه أهمية المياه يومًا بعد يوم.