هل للصراعات القبلية أبعادٌ خفية، أم أنها مجرد خلافاتٍ بسيطة تطورت إلى هذا الاقتتال؟ وما دور الدولة في وأد هذه الفتنة ومنع استفحالها؟ ولماذا هذا الصمت المريب من عقلاء وشيوخ القبائل عن درء هذه الفتن؟
مع كل أسف يطلُّ علينا شبح الاقتتال بين القبائل العربية بين الحين والآخر، ولا يتحرك أحدٌ إلا بعد إراقة الدماء، وهذا أبعد ما يكون عن تعاليم ديننا الحنيف، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. إن الفتنة هي أساس الفرقة والانقسام والوقيعة؛ وما نشهده اليوم من صراعٍ بين قبيلتي الترابين والتياها، وصولاً إلى ترويع الآمنين الساعين إلى أرزاقهم -ممن لا ناقة لهم فيها ولا جمل- ونشر صورهم على وسائل التواصل للتشهير بهم، لهو أمرٌ لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين، أين هؤلاء من قول الله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾؟
ومما لا شك فيه، إن هذه الصراعات لا تصبُّ إلا في مصلحة أعداء الأمة الذين طالما استغلوا انشغالنا بالحروب البينية؛ فإشعال الخلافات القبلية لا يخدم مصلحة الوطن في شيء، لذا، على الدولة أن تتحرك بحزمٍ لرأب الصدع وقطع دابر الفتنة قبل أن تتفاقم ويصعب احتواؤها.
وإنّ ما يشهده الواقع القبلي إشارةٌ لما يتربص به الأعداء؛ فالتوترات الحالية بين قبيلتي "الترابين" و"التياها" في سيناء تستوجب إخماد شرارتها فوراً قبل تفاقمها، فالعدو يتربص بالدولة المصرية التي تُمثّل القبائل فيها خط الدفاع الأول، وأي شلل يصيب هذا الخط ستكون نتائجه كارثية، وهو ما يظهر جلياً في رواج تجارة المخدرات وانتشار السلاح الذي منح الجرأة لكل مَن تسوّل له نفسه العبث بالأمن، مما يفرض على الدولة وقفة حازمة.
للدولة دورٌ لا غنى عنه في درء الفتن، وترك الأمور بالكامل للمجالس العرفية دون تدخل حكومي يعدّ خطأً جسيماً؛ إذ يعاني حكماء القبائل حالياً من تعثر التوصل إلى حلول أو "عمار" بين الأطراف المتقاتلة، ولو ساندت الدولة هؤلاء المشايخ لاختلف المشهد؛ لذا يجب على الجهات الأمنية التنسيق المباشر مع رؤساء كل خمسة ومشايخ القبائل، ومحاسبة أي طرف يتقاعس عن الحل. إننا لا نتحدث فقط عن أزمة "الترابين" و"التياها"، بل عن عشرات النزاعات العالقة -مثل مشكلة "العيايدة" و"البياضة"- التي لم تتحرك الدولة لفضها وإلزام أطرافها بالمسار العرفي.
يجب على الدولة وحكماء القبائل ومشايخها تحمل مسؤولياتهم والتحرك عاجلاً قبل تفاقم الأمور، وقطع رأس الفتنة قبل أن تستفحل؛ فالمسؤولية مشتركة، والخير كل الخير في الإصلاح بين الناس، مصداقاً لقوله تعالى: "لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ".