يظل شهر رمضان الكريم شهر العبادة والرجوع إلى الله، غير أن تغير الزمن وتطور السوشيال ميديا أحدثا فجوة واضحة بين الماضي والحاضر. 

بينما كان الشهر يحمل طابع البهجة والدفء الأسري، يرى كثيرون أن مواقع التواصل استحوذت على أوقاتنا وأثرت في صلة الأرحام.

 في هذا التقرير نرصد الفروق بين رمضان قديمًا وحديثًا، وتأثير السوشيال ميديا عليه، مع مقارنة بين جيل «الطيبين» وجيل «التريند».

يقول خالد حمودة، موظف بالتأمينات الاجتماعية: «احذر.. أنت الآن ترسم الماضي الجميل لأولادك». ويستعيد ذكرياته مؤكدًا أن الهموم قديمًا كانت بسيطة وحلولها قريبة، وكان لكل شيء طعم وإحساس، سواء في الفرح أو حتى في الحزن.

ويضيف أن الاستعداد لرمضان كان يبدأ قبل قدومه بشهرين من شدة الشوق إليه، وكانت البيوت والشوارع تضاء ابتهاجًا، والأجواء تعبق بالسكينة والمودة. 

ويتذكر انتظار حلقات محمد متولي الشعراوي بعد العصر، وتحضيرات الإفطار، وأذان الفجر، والعزومات التي تجمع الأهل والأحباب.

ويتابع: «اليوم، مع هموم الحياة وضيق المعيشة، أصبح الجميع منشغلًا، وتراجعت مظاهر الفرح، وكأن الحزن ملأ القلوب فلم يترك مساحة للبهجة».

 كما أشار إلى غياب كثير من الأشخاص الذين كانوا مصدرًا للنور والسرور في رمضان وغيره، معتبرًا أن الإنترنت سهّل التواصل عبر الشاشات، لكنه في الوقت ذاته أبعد الناس عن اللقاء المباشر.

من جانبه، يقول محمد عباس، منسق إعلامي بوزارة الأوقاف: «رمضان زمان كان أفضل». ويوضح أن إخراج الزكاة كان يتم في الخفاء حفاظًا على مشاعر الآخرين، بينما أصبح بعض الناس يتباهون بها اليوم. ويضيف أن الشوق لرمضان كان يمتد من عام إلى آخر، أما الآن فقد أثرت الأعباء المعيشية على الأجواء، وأصبح الاهتمام بالطعام يغلب على روح العبادة.

ويتذكر أن فانوس رمضان، رغم بساطته واحتوائه على شمعة فقط، كان أجمل في نظرهم لما يحمله من معاني الحب والسعادة. كما أشار إلى أن التعب في العمل كان يقابله رضا وسعادة، بينما يقضي البعض اليوم نهاره في النوم وليله على مواقع التواصل.

وتؤكد الدكتورة أسماء عبد الرحمن أن رمضان هو شهر التوبة والرجوع إلى الله، مشيرة إلى أن الاستعداد له قديمًا كان يتم بتجهيز الزينة الورقية وتزيين الشوارع، مع احترام قدسية الشهر. وتتذكر متابعة برامج الأطفال مثل بوجي وطمطم، والفوازير، والحرص على صلاة التراويح وختم القرآن الكريم مرة على الأقل.

وترى أن التهاني اليوم أصبحت عبر شاشات الهواتف، تقتصر على الرموز التعبيرية، في حين تراجعت الزيارات واللمة العائلية، وأصبح الإنترنت جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية.

أما أحمد لطفي، مدير مدرسة سابقًا، فيقول إن استقبال رمضان كان يتم بفرحة صادقة رغم قلة الإمكانات. كان الفانوس مصنوعًا من الصفيح والزجاج الملون تتوسطه شمعة، وكانت القناعة والرضا سائدين. يجتمع أفراد الأسرة حول «الطبلية» ويشكرون الله على القليل. وحتى ملابس العيد كانت تُفصّل خصيصًا، والحذاء يُشترى من Bata، ورغم بساطة الحال كانت السعادة حاضرة.

ويضيف أن توفر كل شيء اليوم من ملابس وأطعمة، والاعتماد على المطاعم وخدمات التوصيل، لم يعوض دفء اللمة الذي افتقده كثيرون.

ويسترجع الأستاذ جابر  عباس محمود كبير معلمين اللغة الإنجليزية .. معاش مشاهد الطفولة، حين كانوا ينتظرون الشيخ حسن قبل المغرب لإطلاق مدافع الإفطار، ويصنعون الزينة من أوراق الكراسات ويلصقونها بالنشا، في أجواء يغلب عليها الصفاء والبساطة. ويتذكر أجواء الفوازير مع نيللي وسمير غانم، والتواشيح التي كانت جزءًا من روح الشهر، مقارنة بما يراه اليوم من تركيز على المسلسلات وبرامج المقالب مثل رامز جلال.

ويرى أن تأثير السوشيال ميديا أصبح مباشرًا وسريعًا، خاصة على فئة الشباب، داعيًا إلى توجيه هذا التأثير نحو الاهتمام بالقيم الدينية.

ويقول عبد الرحمن خلف، عطار، إن البهجة قديمًا لم تكن تحتاج إلى ميزانية، بل كانت تبدأ من «لمة الشارع». كانت الزينة تُصنع من الجرائد والكتب القديمة، وتبدو في أعينهم أجمل من الإضاءة الحديثة. وكانت أطباق بسيطة مثل المهلبية أو كوب العصير كافية لصنع سعادة حقيقية.

أما اليوم، فقد اتجهت مظاهر الاحتفال نحو «الخيم الرمضانية» والأجواء الاستعراضية، وتنوعت أماكن السحور بين المطاعم والكافيهات، وتحول الفانوس الواحد إلى ركن رمضاني متكامل في كل بيت.

مقارنة سريعة بين جيل «الطيبين» وجيل «التريند»

قديمًا: بساطة في الزينة تُصنع من الورق والنشا، وفرحة تنبع من التجمع والرضا.

حديثًا: إضاءة ذكية، ومجسمات حديثة، واحتفاء بطابع عصري مختلف.

ويبقى رمضان، رغم تغير المظاهر، شهرًا للعبادة والروحانيات، بين ماضٍ يتغنى ببساطته، وحاضر تحكمه الشاشات وتتصدره «التريندات».