في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية، يبرز قطاع المصايد والثروة السمكية كأحد القطاعات الحيوية الداعمة للاقتصاد الوطني وتوفير الغذاء، وهو ما يمنح اليوم العالمي للصياد، الذي يوافق التاسع والعشرين من يونيو من كل عام، أهمية تتجاوز الاحتفاء بالمهنة إلى تسليط الضوء على دورها في دعم التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد المائية.
وتتمتع مهنة الصيد في مصر بجذور تاريخية ممتدة، حيث ارتبطت بالحضارة المصرية منذ آلاف السنين، مستفيدة من تنوع البيئات المائية التي تضم نهر النيل والبحيرات والبحرين المتوسط والأحمر، ولا يزال هذا القطاع يمثل أحد المصادر الرئيسية لتوفير البروتين الحيواني، إلى جانب مساهمته في دعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج والتصنيع والتجارة والنقل.
ويواصل أكثر من 500 ألف صياد العمل في مختلف مناطق الجمهورية، بما يجعلهم جزءًا رئيسيًا من منظومة الإنتاج السمكي التي تشهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا ببرامج الدولة لتطوير البحيرات الطبيعية، وإزالة التعديات، وتحسين جودة البيئات المائية، والتوسع في مشروعات الاستزراع السمكي.
وقد أسهمت هذه الجهود في رفع معدلات الإنتاج السمكي إلى نحو مليوني طن سنويًا، فيما يبلغ متوسط نصيب الفرد من الإنتاج المحلي نحو 19,34 كيلوجرام سنويًا، ويرتفع متوسط نصيب الفرد من الأسماك المتاحة للاستهلاك إلى نحو 23,12 كيلوجرام سنويًا، بما يعكس الدور المتنامي للقطاع في دعم الأمن الغذائي وتلبية احتياجات المواطنين.
ورغم ما تحقق من تقدم، لا تزال المصايد المصرية تواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتقلبات الأحوال الجوية وارتفاع تكاليف التشغيل، فضلاً عن الحاجة المستمرة للحفاظ على المخزون السمكي وضمان استدامة النظم البيئية المائية. وهو ما يجعل الإدارة العلمية للمصايد أحد المتطلبات الأساسية لتحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق أكد أ.د.م. محمود عبد المولى الباحث بمعمل طرق الصيد ومعداته بشعبة المصايد في المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، أن اليوم العالمي للصياد يمثل فرصة لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي يؤديه الصيادون في دعم الأمن الغذائي والحفاظ على استدامة الموارد السمكية، مشيرًا إلى أن مستقبل قطاع المصايد يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين تعظيم الإنتاج وحماية المخزون السمكي والبيئات المائية الحاضنة له.
وأوضح عبدالمولى أن الصياد المصري ظل عبر عقود طويلة شريكًا أساسيًا في توفير الغذاء للمواطنين ودعم الاقتصاد الوطني، لافتًا إلى أن التحديات البيئية والمناخية الراهنة تفرض أهمية التوسع في تطبيق مبادئ الصيد المسؤول والاعتماد على الدراسات العلمية في إدارة المصايد وتقييم المخزونات السمكية، بما يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.
وأضاف عبدالمولى أن البحث العلمي يمثل أحد الركائز الرئيسية لتنمية الثروة السمكية، وهو ما ينعكس في الجهود التي ينفذها المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد من خلال رصد المخزونات السمكية ومتابعة حالة النظم البيئية المائية ودراسة تأثير التغيرات المناخية على الموارد المائية، بما يوفر قاعدة علمية داعمة لمتخذي القرار في وضع السياسات والخطط الخاصة بإدارة وتنمية المصايد.
وفي السياق نفسه يواصل المعهد دوره في نشر الوعي العلمي بمبادئ الصيد المسؤول وتعزيز الاستخدام الرشيد للموارد المائية والحفاظ على التنوع البيولوجي، انطلاقًا من أن استدامة الثروة السمكية لا ترتبط فقط بزيادة الإنتاج، وإنما تبدأ بالحفاظ على المواطن الطبيعية للأسماك وجودة البيئات المائية وقدرتها على التجدد.
يذكر أن الاحتفال باليوم العالمي للصياد يأتي ليؤكد أهمية مواصلة الاستثمار في تنمية قطاع المصايد، ودعم العاملين به، وتعزيز الاعتماد على المعرفة العلمية والإدارة الرشيدة للموارد المائية، بما يضمن استدامة الثروة السمكية ودورها في دعم الأمن الغذائي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة