لم يكن تأهل المنتخب المصري إلى دور الـ32 من بطولة كأس العالم 2026، وعودته إلى دائرة المنافسة، مجرد إنجاز رياضي يُضاف إلى سجلات البطولة، بل تحول إلى لحظة إنسانية نادرة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر ففي فلسطين، وتحديدًا في غزة، وجد الناس في انتصارات «الفراعنة» نافذة صغيرة يتسلل منها الفرح إلى قلوب أنهكتها الحرب، ومساحة يتنفسون فيها بعيدًا عن أخبار الموت والدمار.

في القطاع المحاصر، حيث غدت الخيمة وطنًا مؤقتًا، والركام جزءًا من المشهد اليومي، تجمّع الأهالي حول شاشات متواضعة وهواتف بالكاد تحتفظ بشحنها، يتابعون محمد صلاح ورفاقه بشغف استثنائي لم يكن المنتخب المصري بالنسبة لهم مجرد منتخب عربي مجاور، بل امتدادًا وجدانيًا عميقًا، لا تقطعه الحدود ولا تبدده أهوال الحرب.

هناك، لم يكن التشجيع انحيازًا كرويًا عابرًا، بل كان محاولة لاستعادة حق إنساني بسيط: أن يفرح الإنسان، ولو لدقائق معدودة. فمن يعرف غزة يدرك أن الفرح فيها لا يولد في ملاعب آمنة أو مقاهٍ مضاءة، بل ينبثق من بين الأنقاض، ويشرق في ابتسامة طفل أثقل النزوح طفولته، أو في وجه أبٍ يحمل ذاكرة بيت لم يعد قائمًا لذلك بدا الهتاف لمصر فعلًا من أفعال الصمود، وإعلانًا بأن القلب ما زال قادرًا على النبض رغم قسوة الحرب.

بدأت الرحلة بتعادل ثمين أمام بلجيكا، أعاد للفراعنة الثقة وأبقى أبواب التأهل مفتوحة ثم جاءت مواجهة نيوزيلندا، فحملت معها الفوز الذي انتظرته الجماهير، وعبرت أهدافه من شاشات النقل إلى خيام الشمال والنصيرات وخان يونس ورفح، لتصنع لحظات فرح لا يدرك قيمتها إلا من اعتاد انتزاع البهجة من قلب المأساة. وفي الجولة الأخيرة، جاء التعادل أمام إيران ليحسم بطاقة العبور إلى الدور الثاني، وكأن غزة بأكملها تعبر مع المنتخب المصري إلى محطة جديدة من الحلم.

ولم يكن هذا التفاعل حكرًا على غزة ففي الضفة الغربية أيضًا، حيث يواجه الفلسطينيون يوميًا الاحتلال واعتداءات المستوطنين، ظل المنتخب المصري حاضرًا في الوجدان، غير أن مأساة غزة المستمرة منحت هذا التشجيع بعدًا إنسانيًا أكثر عمقًا وتأثيرًا.

وفي المقابل، كانت فلسطين حاضرة بقوة في مشهد الاحتفال المصري. ففي المدرجات، وفي تجمعات المشجعين داخل مصر، وكذلك في المدن التي احتضنت الجماهير المصرية في أوروبا وكندا والولايات المتحدة، من سياتل إلى فانكوفر، ارتفعت الأعلام الفلسطينية إلى جانب الأعلام المصرية، وتوشح كثيرون بالكوفية الفلسطينية، فيما ارتسم العلمان معًا على وجوه المشجعين لم تكن تلك مجرد مظاهر تضامن عابرة، بل تعبيرًا صادقًا عن علاقة وجدانية راسخة؛ فالمصري يرى فلسطين جزءًا من ضميره، والفلسطيني يرى في مصر سندًا تاريخيًا لا يغيب.

قد تحفظ سجلات البطولة أن مصر تعادلت مع بلجيكا وإيران، وانتصرت على نيوزيلندا، وتأهلت إلى دور الـ32، لكن الذاكرة ستحتفظ بما هو أبقى من النتائج والأرقام: طفل في غزة تضيء عيناه بهدف مصري، ومشجع في مدرج بعيد يرفع علم فلسطين وهو يهتف لمصر. عندها لم تعد كرة القدم مجرد منافسة رياضية، بل غدت جسرًا إنسانيًا امتد من ضفاف النيل إلى أبواب الخيام، ليؤكد أن الفرح الصادق، مهما ضاق به الزمن، يظل قادرًا على الانتصار.