يتصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران، في وقت تؤكد فيه تقارير إعلامية وجود تحفظات داخل المؤسسة العسكرية، مقابل نفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوجود أي خلافات، وتشديده على أن هزيمة إيران يمكن أن تتحقق "بسهولة".
غير أن هذا الطرح، وفق رؤية اللواء محمد عبدالواحد مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، لا يعكس التعقيد الحقيقي لمعادلة القوة في المنطقة، ولا طبيعة الحروب الحديثة متعددة الميادين.
خلافات طبيعية أم انقسام في القرار؟
يرى اللواء عبدالواحد أن الحديث عن غياب الخلافات داخل واشنطن يتعارض مع طبيعة النظام الأمريكي ذاته، حيث تُناقش القرارات الكبرى، خاصة العسكرية، داخل دوائر سياسية وأمنية وعسكرية متعددة.
وفي حديثه لـ"اليوم"، يؤكد أن وجود نقاشات بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع وهيئة الأركان أمر طبيعي، بل ضروري، عند بحث عملية قد تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط.
فأي ضربة محتملة لإيران – كما يوضح – ليست مجرد قرار تكتيكي، بل مشروع عسكري ضخم يتطلب حسابات دقيقة تتعلق بتأمين خطوط الإمداد، وتوافر الذخائر، والدعم الجوي والبحري، وإمكانية إطالة أمد المواجهة، فضلاً عن موقف الحلفاء في أوروبا والخليج.
ومن هنا، فإن تحذيرات رئيس هيئة الأركان – إن صحت – تعكس مقاربة مهنية تضع سيناريوهات التصعيد والردود المحتملة في الاعتبار.
كما يضيف اللواء عبدالواحد أن الجدل داخل واشنطن ينقسم إلى عدة اتجاهات: تيار لا يرى مبررات استراتيجية عاجلة للضربة، وآخر يخشى أن يؤدي التراجع إلى إضعاف المصداقية الأمريكية، فيما يطرح فريق ثالث خيار الضربة المحدودة باعتبارها وسيلة ضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
غير أن هذا الخيار، في رأيه، لا يخلو من مخاطر، إذ قد يفتح الباب أمام ردود إيرانية تصعيدية غير محسوبة.
هل الهزيمة "سهلة" فعلاً؟
يشدد اللواء عبدالواحد على أن الفجوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران واضحة وكبيرة، ولا خلاف على أن واشنطن تمتلك تفوقًا ساحقًا في مجالات الطيران المتقدم، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والاستخبارات، والقدرات البحرية. لكن اختزال الحرب في ميزان تسليح فقط يُعد – وفق وصفه – مغالطة استراتيجية.
فإيران، رغم أنها الأضعف عسكريًا، تنظر إلى أي مواجهة باعتبارها حربًا وجودية، ما يمنحها دافعًا عقائديًا ومعنويًا مضاعفًا. كما أنها لا تعتمد على مبدأ المواجهة التقليدية المباشرة، بل على مزيج من الردع غير المتكافئ، والحروب غير النظامية، وتعدد مسارح العمليات.
أدوات ردع "بسيطة" لكنها مؤثرة
في هذا الصدد، يوضح اللواء عبدالواحد أن طهران تمتلك صواريخ باليستية أثبتت قدرتها على الوصول إلى أهداف حساسة داخل إسرائيل بدقة عالية في مواجهات سابقة (حرب الـ12 يوم)، وهو ما يعني أن أي تصعيد قد لا يبقى محصورًا في الجغرافيا الإيرانية.
كما تمتلك إيران ترسانة من الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، التي قد لا تضاهي التكنولوجيا الأمريكية، لكنها قادرة على إرباك القواعد العسكرية في الإقليم، واستهداف منشآت حيوية، وفرض حالة استنزاف أمني مستمر.
ويضيف أن الحرب – في حال اندلاعها – لن تكون في ساحة واحدة، بل في ميادين متعددة تشمل الفضاء السيبراني، والعمليات الاستخباراتية، والحرب البحرية، والاشتباكات غير المباشرة عبر الحلفاء الإقليميين.
فإيران ما تزال تحتفظ بشبكة علاقات وتحالفات في المنطقة، ما يمنحها قدرة على توسيع نطاق الرد.
الجغرافيا كسلاح استراتيجي
أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية، بحسب اللواء عبدالواحد، يتمثل في موقعها الجيوسياسي. فمضيق هرمز يشكل شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية، وأي تهديد – حتى لو كان في صورة شائعة عن ألغام بحرية – قد يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط، وزيادة كلفة الشحن والتأمين، وإرباك الأسواق العالمية.
كما يؤكد أن مجرد خلق حالة عدم يقين في هذا الممر الحيوي يكفي لإحداث أثر اقتصادي عالمي، وهو ما يمنح طهران أداة ضغط استراتيجية تتجاوز قدراتها العسكرية التقليدية.
فالحرب هنا لا تُقاس فقط بعدد الطائرات أو السفن، بل بقدرة كل طرف على التأثير في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
سيناريو "الضربة اليتيمة"
يتوقف اللواء عبدالواحد عند فكرة توجيه "ضربة واحدة حاسمة" قد تغيّر سلوك إيران أو تفرض عليها واقعًا جديدًا.
هذا الطرح بمفهوم "الضربة اليتيمة" في العقيدة النووية، حيث تفترض بعض الاستراتيجيات أن ضربة مركزة قد تنهي الصراع سريعًا. لكنه يحذر من أن إيران، كدولة ذات خبرة طويلة في إدارة الأزمات والصراعات، أعدّت حساباتها للرد حتى على الضربات المحدودة.
فطهران أعلنت بوضوح أنها سترد على أي هجوم، بغض النظر عن حجمه، ما يعني أن الضربة المحدودة قد تتحول إلى سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها. كما أن مثل هذا التصعيد قد يدفع بتيارات أكثر تشددًا داخل إيران إلى الواجهة، ويغلق الباب أمام أي مسار تفاوضي.
بين السياسة والعسكر
يأكد اللواء عبدالواحد على أن الخلافات داخل واشنطن – إن وجدت – لا تعني انقسامًا بقدر ما تعكس تعدد زوايا النظر بين السياسي الذي يوازن بين الهيبة والرسائل الانتخابية، والعسكري الذي يحسب الكلفة البشرية واللوجستية والزمانية لأي مواجهة.
كما يرى أن الاستماع إلى تقديرات المؤسسة العسكرية ضرورة استراتيجية، لأن الحروب لا تُدار بالشعارات، بل بخطط طويلة المدى واستعداد لتحمل تبعات ممتدة.
وفي ضوء ذلك، فإن تصوير أي مواجهة مع إيران باعتبارها عملية "سهلة وسريعة" يتجاهل واقعًا ميدانيًا معقدًا، تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والاقتصاد بالردع، والتحالفات بتوازنات القوة.
وبين خطاب الحسم السياسي وحسابات الميدان الصارمة، تبقى الضربة المحتملة لإيران قرارًا محفوفًا بالمخاطر، تتجاوز تداعياته حدود البلدين إلى الإقليم والعالم بأسره.