تنتابني حالة من الضيق كلما تحدث أحد عن آل البيت الأطهار الذين شرّفهم الله بالقرب من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرّمهم بذكرهم في كتابه الكريم: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا”. فما إن يُظهر شخص محبته لآل البيت أو يتحدث عن مناقبهم وسيرتهم، حتى يخرج من يتهمه بالميل إلى التشيع، وكأن آل البيت حكر على فئة دون أخرى، أو كأن الحديث عنهم أصبح تهمة تستوجب الدفاع والتبرير.

هذا العبث الفكري انتشر بصورة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أتاحت المجال لمن لم يقرأ سطرًا في التاريخ أو الدين أن يخوض في قضايا كبرى بجهل شديد وثقة لا حدود لها. فأصبح البعض يصدر الأحكام على الناس في عقائدهم ونواياهم لمجرد كلمة أو منشور أو موقف يعبر عن محبة آل البيت.

ولا ينشط هذا الجدل عادة إلا مع حلول شهر الله المحرم، واقتراب ذكرى عاشوراء، اليوم الذي استُشهد فيه سيدنا الإمام الحسين رضي الله عنه على أيدي فئة تعد من أسوأ من عرفهم التاريخ. ففي هذه الأيام يتكرر المشهد ذاته؛ أناس يستكثرون على المسلمين إظهار محبتهم لآل البيت، ويحذرون من ذلك بدعوى الخوف من التشيع، وكأن إيمان المسلمين هش إلى هذا الحد، أو كأن مجرد ذكر مناقب آل البيت يخرج الإنسان من دائرة أهل السنة والجماعة.

إن محبة آل البيت ليست بدعة ولا تهمة، بل هي جزء أصيل من عقيدة المسلمين جميعًا. فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأهل بيته، وحفظ لهم مكانتهم وقدرهم، وظل علماء الأمة على مر العصور يؤكدون فضلهم ووجوب محبتهم واحترامهم دون غلو أو إفراط. فالمحبة شيء، واعتناق المذاهب والاتجاهات الفكرية شيء آخر تمامًا.

ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض الناس أصبحوا يتوارون عن الحديث عن آل البيت أو إظهار محبتهم خشية الاتهامات الجاهزة بالكفر أو الزندقة أو التشيع. غير أن الواقع أثبت أن هذه الأصوات لم تنجح يومًا في النيل من مكانة آل البيت في قلوب المصريين، الذين ارتبطوا بهم ارتباطًا وجدانيًا وروحيًا عميقًا عبر قرون طويلة، تجلى في محبتهم الصادقة لآل البيت وزيارتهم لمقاماتهم والاحتفاء بذكراهم.

لقد أدرك المصريون بفطرتهم أن محبة آل البيت لا تتعارض مع الانتماء لأهل السنة، وأن تقديرهم واحترامهم ليس انحيازًا مذهبيًا، بل وفاء لآل بيت نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم. وستبقى هذه المحبة حاضرة في القلوب، لا يعكر صفوها تشدد المتشددين ولا مزايدات الجهلاء، لأنها محبة نابعة من الدين والتاريخ والوجدان معًا.