القضية الفلسطينية كانت ولا تزال من أهم القضايا المحورية، إن لم تكن الأهم على الإطلاق فى السياسة الخارجية المصرية منذ عقود، حيث لعبت مصر دورًا رئيسيًا فى دعم الشعب الفلسطينى على المستويات السياسية والدبلوماسية والإغاثية.
ومنذ اندلاع الصراع العربي الصهيوني، ظل الموقف المصري ثابتًا في دعم الحقوق الفلسطينية ورفض أية محاولات لتصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين، وهو الموقف الذي تجلى بوضوح منذ العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، عبر موقف رسمي حاسم بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، ودعم شعبي واسع من مختلف القوى والتيارات.
ولعل خير دليل على ذلك الاعتراف المهم الذي يظهر حالة القلق والتوجس داخل أروقة المخابرات الإسرائيلية، والذي جاء على لسان «ديفيد حاخام» مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي السابق عبر ما يسمى منصة «ماكور رشوان» وكشف ما يدور في الغرف المغلقة حول الجار المصري الذي لم تنجح عقود السلام في ترويضه!
حاخام اعترف أن المصريين بعيدون كل البعد عن محبة إسرائيل، مؤكدًا أن أحداث 7 من أكتوبر 2023، لم تثر لدى المصريين أية مشاعر ألم تجاه إسرائيل، بل كشف أن السلام يظل أعرجًا وجزئيًا، محصورًا في غرف التنسيق الأمني فقط، بينما يرفضه 100 مليون مصري.
وكشف أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في حالة تأهب دائم لرصد التحركات العسكرية المصرية في سيناء، وأن إسرائيل قلقة جدًا من تمديد مدارج المطارات العسكرية و إنشاء شبكة أنفاق ضخمة تحت قناة السويس، علاوة على شق طرق استراتيجية وانتشار غير عادي للدبابات والمدرعات ، وهو ما تراه إسرائيل استعدادًا لسيناريوهات مستقبلية رغم وجود معاهدة سلام!
حاخام أكد أن ملف تهجير الفلسطينيين لسيناء كان القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة، وأعاد التذكير برد الرئيس السيسي القاسي: إذا كنتم تريدون ترحيلهم.. فليذهبوا إلى النقب عندكم، وليس لسيناء، معتبرًا أن هذا الموقف هو الذي أدى للقطيعة التامة بين الرئيس السيسي ونتنياهو لسنوات.
و رغم ضغوط المساعدات الأمريكية، يرى حاخام أن القاهرة تتبع سياسة تنويع الولاءات بذكاء، فبينما تنسق أمنيًا مع واشنطن، تفتح أبواب المفاعل النووي في الضبعة لروسيا، وتستعيد دورها كمايسترو وقائد للمحيط العربي.
أعتقد ان هذا الاعتراف يعد أفضل رد على تصريحات وإن شئت قل تخريفات «مايك هاكابي» السفير الأمريكي لدى إسرائيل والتى قال فيها: لا بأس أن تسيطر إسرائيل على مساحة شاسعة من الشرق الأوسط.
وزعم هاكابي في مقابلة مع المعلق المحافظ الأمريكي، تاكر كارلسون، وفقًا لفهمه لآية في الكتاب المقدس تشير إلى أن الأرض تشمل أجزاء من مصر وسوريا والعراق قد وُعد بها الشعب اليهودي وعدًا إلهيًا.
و تساءل كارلسون إنه وفقًا للعهد القديم، فإن الحدود ستكون بشكل أساسي كامل الشرق الأوسط، فهل لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟
فأجاب هاكابي قائلًا: لستُ متأكدًا من أننا سنذهب إلى هذا الحد، ستكون قطعة أرض شاسعة.
ثم ضغط عليه كارلسون قائلًا: هل لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟
أجاب هاكابي: لا بأس لو استولوا عليها كلها، ثم أضاف: لا أعتقد أن هذا ما نتحدث عنه اليوم.
وسأل كارلسون: هل تعتقد أنه لا بأس لو استولت دولة إسرائيل على الأردن بأكمله؟
أجاب هاكابي: إنهم لا يسعون للسيطرة على الأردن، ولا على سوريا، ولا على العراق أو أي مكان آخر؛ لكنهم يريدون حماية شعبهم.
وأضاف هاكابي: أعتقد أنك تغفل عن جانب مهم، فهم لا يطالبون بالعودة لاستعادة كل تلك الأراضي، بل يطالبون على الأقل باستعادة الأرض التي يشغلونها الآن، ويعيشون فيها، ويملكونها بشكل قانوني، وهي ملاذ آمن لهم.
ونحن بدورنا نؤكد للمدعو هاكابي وغيره من الواهمين أن مصر التى ضحت بالغالي والنفيس من أجل تحرير سيناء الغالية بعدما قهرت العدو الصهيوني فى حرب أكتوبر المجيدة لم ولن تسمح أبدًا لكائن من كان أن يقترب من ذرة رمل واحدة من أرضها الطاهرة، بل لن تسمح بأي تعد على أرض أي من الدول العربية الشقيقة.
وفى هذا السياق، نحن نثمن البيان القوي الذي أصدرته وزارة الخارجية المصرية حول هذه التصريحات غير المسؤولة، حيث أكدت فيه أنه لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية، معربة عن رفضها القاطع لأية محاولات لضم الضفة الغربية المحتلة أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
أوضحت أن تصريحات هاكابي تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر مجلس السلام الذي عُقِد بواشنطن مؤخرًا، ومن هذا المنطلق نؤكد أن إسرائيل لا تملك أية سيادة على الأراضي الفلسطينية والعربية.
وأن مثل هذه التصريحات غير المسؤولة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها باعتبارها دعوة مرفوضة لتوسع إسرائيل قوة الاحتلال، واستيلائها على مزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية وأن تلك التصريحات تستند إلى رواية وادعاءات تاريخية وأيديولوجية مزيفة ومرفوضة تنتهك سيادة الدول والأعراف الدبلوماسية ومبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وميثاقها.
أخيرًا وليس آخرًا، نؤكد أن هذا الخطاب الأيديولوجي المتطرف من شأنه أن يغذي التطرف ويشجع الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة إجراءاته غير القانونية القائمة على التهجير والاستيطان ومحاولة فرض الضم للأرض الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار نزيف الدم وسقوط المزيد من القتلى هنا وهناك.
عصام عمران