لم تعد قضايا التصحر والجفاف تندرج ضمن التحديات البيئية التقليدية فحسب، بل باتت تمثل أحد أبرز الملفات المرتبطة بالأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية وقدرة الدول على مواصلة مسارات التنمية في ظل المتغيرات المناخية المتسارعة، ومع تصاعد الضغوط على الموارد المائية وتزايد حدة الظواهر المناخية المتطرفة، تبرز الإدارة الرشيدة للمياه باعتبارها أحد أهم أدوات الحد من تدهور الأراضي وتعزيز القدرة على التكيف مع التحديات المستقبلية.

ويأتي الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف هذا العام في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من اتساع نطاق تأثيرات الجفاف وتدهور الأراضي، حيث تشير تقديرات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى أن هذه الظواهر مرشحة للتأثير على مساحات أوسع من الأراضي الزراعية والمجتمعات البشرية خلال العقود المقبلة، بما يفرض على الدول تبني سياسات أكثر كفاءة في إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر المناخية.

وفي هذا السياق، تواصل مصر تنفيذ رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية ترتكز على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وتنمية الموارد غير التقليدية ورفع كفاءة البنية التحتية المائية، باعتبارها أحد المسارات الرئيسية لمواجهة تحديات التصحر والجفاف ودعم الأمنين المائي والغذائي.

ومن جانبه أكد الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، أن مواجهة التصحر والجفاف ترتبط ارتباطًا وثيقًا بملف إدارة المياه، مشيرًا إلى أن الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0 يمثل إطارًا متكاملًا لتعزيز كفاءة استخدام الموارد المائية وتنمية الموارد غير التقليدية ودعم قدرة الدولة على التكيف مع التغيرات المناخية، بما يسهم في حماية الأراضي الزراعية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وأوضح سويلم أن تنمية الموارد المائية غير التقليدية أصبحت أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية إدارة المياه، وهو ما انعكس في التوسع الكبير بمشروعات معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، التي توفر موارد إضافية تدعم خطط التنمية الزراعية والتوسع الأفقي واستصلاح الأراضي، وتسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الضغوط على الموارد التقليدية.

وفي السياق نفسه تواصل وزارة الموارد المائية والري تنفيذ مشروعات حصاد مياه الأمطار والسيول في عدد من المحافظات، بما يتيح الاستفادة من هذه الموارد وتعظيم مردودها الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن دعم استقرار المجتمعات المحلية في المناطق الأكثر احتياجًا.

وتحظى المياه الجوفية باهتمام خاص ضمن منظومة الإدارة المستدامة للموارد المائية، خاصة في المناطق الصحراوية، من خلال الاعتماد على الدراسات العلمية في إدارة الخزانات الجوفية ومتابعة معدلات السحب منها، إلى جانب التوسع في تطبيق نظم الري الحديث ورفع كفاءة استخدام المياه، بما يضمن الحفاظ على هذا المورد الحيوي ودعم التنمية الزراعية المستدامة.

ويمثل ضمان وصول المياه إلى الأراضي الزراعية بالكميات والتوقيتات المناسبة أحد المرتكزات الأساسية في حماية الرقعة الزراعية من التدهور والتصحر، وفي هذا الإطار تنفذ وزارة الري برامج مستمرة لتطهير وصيانة شبكات الري والصرف، تشمل سنويًا نحو 33 ألف كيلومتر من الترع و22 ألف كيلومتر من المصارف، بما يسهم في تحسين كفاءة نقل المياه وضمان وصولها إلى مختلف المناطق الزراعية.

كما تواصل الري تطوير محطات الرفع على مستوى الجمهورية من خلال أعمال الإحلال والتجديد والتحديث المستمر للمعدات الكهروميكانيكية، إلى جانب التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، بما يعزز كفاءة التشغيل ويخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية، في إطار توجه الدولة نحو الاقتصاد الأخضر.

وتعتمد منظومة إدارة المياه بصورة متزايدة على التقنيات الحديثة، من خلال استخدام نظم المعلومات الجغرافية وصور الأقمار الصناعية ونظم التنبؤ والإنذار المبكر، بما يدعم اتخاذ القرار ويعزز القدرة على التعامل الاستباقي مع التأثيرات المناخية المختلفة.

ويمثل التكيف مع التغيرات المناخية أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية إدارة الموارد المائية المصرية، وهو ما انعكس في مشروعات حماية الشواطئ المصرية التي  تم تنفذها على امتداد السواحل الشمالية لمواجهة ارتفاع منسوب سطح البحر والحد من تأثيرات النحر والتآكل والتملح.

 وشهدت السنوات الأخيرة تنفيذ العديد من المشروعات بمحافظات الإسكندرية ومطروح وكفر الشيخ والبحيرة وبورسعيد والدقهلية ودمياط، إلى جانب تنفيذ مشروعات صديقة للبيئة لحماية نحو 69 كيلومترًا من شواطئ الدلتا.

ولا تقتصر جهود مواجهة التصحر والجفاف على تطوير البنية التحتية والمشروعات المائية، بل تمتد إلى الاستثمار في العنصر البشري من خلال برامج التدريب المتخصصة وتطوير الكوادر الفنية والهندسية والتوسع في مدارس تكنولوجيا المياه، بما يعزز قدرة قطاع المياه على مواكبة التطورات الحديثة وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة أكبر.

وتعكس هذه الجهود رؤية متكاملة تنطلق من أن مواجهة التصحر والجفاف لا ترتبط بحماية الأراضي الزراعية فقط، وإنما تمتد إلى حماية الموارد الطبيعية وتعزيز الأمن المائي والغذائي ودعم قدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات المناخية، بما يرسخ أسس التنمية المستدامة ويعزز قدرة الدولة على مواجهة تحديات المستقبل.