بينما تتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر الإنتاج السمكي وتعظيم الاستفادة من الموارد المائية، تبرز أسماك قشر البياض كأحد الأنواع الواعدة التي تجمع بين القيمة الغذائية المرتفعة والعائد الاقتصادي الكبير، رغم أن استغلالها في الاستزراع السمكي لا يزال محدودًا على المستويين المصري والأفريقي.
وتعد أسماك قشر البياض Lates niloticus من أكبر أسماك المياه العذبة في أفريقيا، حيث يتراوح وزنها الشائع بين 8 و20 كيلوجرامًا، وقد يصل طولها إلى مترين ويتجاوز وزنها 200 كيلوجرام. كما تتميز بلحوم بيضاء عالية الجودة تحظى بطلب متزايد في الأسواق العالمية.
ويؤكد الدكتور حافظ عبد الحميد مبروك أستاذ تغذية الأسماك بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، أن هذا النوع يمتلك مقومات إنتاجية واقتصادية متميزة، إذ يحتوي لحمه على نحو 20.2% بروتين خام، مقابل 0.54% فقط من الدهون، إلى جانب احتوائه على أحماض أوميجا 3 وفيتامينات ومعادن أساسية، ما يجعله من الأسماك مرتفعة القيمة الغذائية.
ورغم هذه المزايا فإن إنتاج قشر البياض من الاستزراع السمكي في أفريقيا ظل محدودًا خلال الفترة من 1995 إلى 2023، حيث تصدرت نيجيريا الدول المنتجة بإجمالي 2490 طنًا، تلتها السودان بنحو 1200 طن، ثم أوغندا بـ226 طنًا، بينما لم يتجاوز الإنتاج في مصر 27 طنًا فقط، وهو ما يعكس حجم الفرص غير المستغلة في هذا المجال.
وتحتفظ بحيرة ناصر بمكانة خاصة باعتبارها أهم البيئات المصرية الطبيعية لهذا النوع، إلا أن تراجع وجوده في بعض المناطق الأخرى نتيجة الضغوط البيئية والتلوث يزيد من أهمية التوسع في برامج الاستزراع للحفاظ على المخزون وتنميته.
وتتجاوز القيمة الاقتصادية لقشر البياض حدود إنتاج اللحوم، إذ تدخل منتجاته في صناعات غذائية وتكميلية متعددة، كما تحظى المثانة الهوائية المجففة بطلب مرتفع في بعض الأسواق الآسيوية، بينما تستخدم زيوته ومنتجاته الثانوية في صناعة المكملات الغذائية والأعلاف.
وتشير الدراسات إلى أن هذا النوع يتمتع بمعدلات نمو مرتفعة قد تصل إلى 2.8 جرام يوميًا، كما تتميز الإناث بخصوبة عالية يمكن أن تصل إلى 6.35 مليون بيضة للسمكة الواحدة، وهي مؤشرات تعكس إمكاناته الكبيرة للاستزراع التجاري إذا ما تم تطوير تقنيات التفريخ والتربية المناسبة.
ويرى مبروك أن التحدي الرئيسي لا يزال يتمثل في استكمال الأبحاث الخاصة بالتفريخ الصناعي، خاصة أن المحاولات المصرية التي بدأت في أسوان عام 1981 ثم تواصلت من خلال المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد عام 2004 لم تصل بعد إلى إنتاج تجاري مستدام، داعيًا إلى إطلاق مشروع بحثي وتطبيقي متكامل لتطوير تفريخ وحضانة وتغذية قشر البياض، بما يسهم في تحويله من مورد طبيعي واعد إلى صناعة قادرة على دعم الأمن الغذائي وتعظيم العائد الاقتصادي لقطاع الثروة السمكية.