"اخترعوا واقي الرصاص في أوقات الحرب، ووزعوا واقي كورونا في فترة الجائحة، لكن ما زالت الوقاية النفسية غائبة في مجتمع موبوء بالمرض النفسي الذي يظهر أصحابه كما لو كانوا عظماء أشخاص ناجحين"..

 باسم الجنوبي

في عالم تتزايد فيه الضغوط النفسية بوتيرة غير مسبوقة، وتتسارع فيه إيقاعات الحياة إلى حد يفقد كثيرًا من الناس القدرة على التأمل والإنصات لأنفسهم، يبرز سؤال ملح: كيف يمكن للإنسان أن يحمي صحته النفسية وسط هذا الكم الهائل من التوتر والقلق والعزلة؟ 

هذا السؤال يشكل المدخل الأساسي لكتاب "وأنقذتنا الصفحات: حكايات من ونس الكتب" للكاتب والباحث في العلوم الإنسانية باسم الجنوبي، الذي يقدم رؤية مختلفة للقراءة باعتبارها أكثر من مجرد هواية أو نشاط ثقافي، بل وسيلة للتشافي وإعادة التوازن النفسي.

image_2026-06-02_165040699

يفتتح الجنوبي كتابه بفكرة لافتة تختصر جوهر التجربة التي يحاول تقديمها للقارئ، حين يقول: "اخترعوا واقي الرصاص في أوقات الحرب، ووزعوا واقي كورونا في فترة الجائحة، لكن ما زالت الوقاية النفسية غائبة في مجتمع موبوء بالمرض النفسي الذي يظهر أصحابه كما لو كانوا عظماء أشخاص ناجحين". 

ومن هذه الفكرة ينطلق في رحلة تستكشف العلاقة العميقة بين الإنسان والكتاب، وبين القراءة وقدرتها على التخفيف من أعباء الحياة اليومية.

ولا يتعامل الكتاب مع القراءة باعتبارها وسيلة للترفيه فقط، بل باعتبارها خبرات إنسانية متراكمة تنتقل عبر الزمن. فكل كتاب يحمل تجربة عاشها شخص آخر، وكل رواية أو قصة أو سيرة ذاتية تمثل محاولة لفهم العالم أو تفسير الألم أو البحث عن معنى للحياة. 

القراءة مسؤولية لا عادة

في بداية الكتاب، يتوقف الجنوبي أمام ظاهرة تراجع القراءة في المجتمعات العربية والعالمية رغم سهولة الوصول إلى المعرفة. ويرى أن القراءة تشبه معركة ضد الجهل، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية تتطلب الوعي والاختيار.

فيما يشير إلى أن العالم يشهد صدور ما يقرب من ثلاثة ملايين كتاب سنويًا وفق متوسط الإحصاءات الدولية، بينما سجلت مصر وحدها إصدار نحو 23 ألف كتاب في عام 2019 بحسب بيانات اتحاد الناشرين العرب. هذه الوفرة الضخمة تجعل القارئ أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في اختيار ما يقرأه، وهو ما دفعه إلى إطلاق عبارته الشهيرة: "مع الاعتذار لأنيس منصور: لا تقرأ أي شيء".

ويؤكد أن المشكلة ليست في قلة الكتب، بل في وفرتها وتفاوت جودتها، إذ يمكن لبعض الكتب أن توسع أفق الإنسان وتمنحه أدوات لفهم ذاته والعالم، بينما قد تدفعه أخرى نحو الوهم أو التبسيط المخل أو تصديق أفكار لا تستند إلى معرفة حقيقية.

أوهام التنمية البشرية

من بين القضايا التي يناقشها الكتاب ظاهرة الانتشار الواسع لبعض كتب التنمية البشرية التي تعتمد على وصفات جاهزة لتحقيق النجاح أو السعادة أو الثراء. 

ويرى الجنوبي أن جزءًا من هذه الكتب يروج لحلول مبسطة لقضايا معقدة، من خلال عناوين براقة مثل "الأسباب العشرة لتكون سعيدًا" أو "الخطوات السحرية لتحقيق الثراء".

ويحذر من اختزال التجربة الإنسانية في مجموعة نصائح سريعة، مؤكدًا أن النجاح والسعادة لا يمكن تحويلهما إلى معادلات ثابتة تصلح للجميع. 

كيف أفقدتنا السرعة معنى الحياة؟

أحد أبرز محاور الكتاب يتمثل في تحليل تأثير نمط الحياة الحديثة على الإنسان. فبحسب الجنوبي، لم تعد المشكلة في كثرة الأعمال فقط، بل في الطريقة التي نعيش بها، حيث أصبح الإنجاز السريع هدفًا بحد ذاته.

ويقول إن الحياة التي تجبر الإنسان على إنجاز كل شيء بسرعة لا تجعله يفقد متعة التفاصيل فحسب، بل تسلب من حياته المعنى أيضًا. فحتى القراءة نفسها تأثرت بهذا الإيقاع المتسارع، إذ تراجعت القراءة المتأنية العميقة لصالح التصفح السريع والانتقال المستمر بين المحتويات.

ويربط الكاتب بين هذه الظاهرة وبين الانتشار الكاسح للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي وثقافة المقاطع القصيرة، التي أعادت تشكيل طريقة تلقي المعلومات والتفاعل معها، وجعلت التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة لدى كثير من الناس.

العلاج بالقراءة.. فكرة عمرها قرون

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مفهوم "العلاج بالقراءة" أو Bibliotherapy، وهو مفهوم قد يبدو حديثًا لكنه في الواقع يمتلك جذورًا تاريخية قديمة. فقد عرفت الحضارات القديمة، بما فيها اليونانية والعربية، قيمة الحكاية في مواساة الإنسان ومساعدته على تجاوز الأزمات.

ويشير الجنوبي إلى أن المصطلح بصورته الحديثة صاغه الكاتب الأمريكي صامويل كروثرز عام 1916، لكنه استند إلى ممارسات سبقت ذلك بقرون. وخلال الحروب العالمية، بدأت المكتبات والمستشفيات في استخدام الكتب لمساعدة الجنود والمرضى على التعامل مع الصدمات النفسية والضغوط التي خلفتها الحرب.

ويقول باسم الجنوبي في حديثه لـ"اليوم"، إن كثيرًا من الباحثين والمعالجين النفسيين آمنوا بأن الروايات والقصص يمكن أن تكون وسيلة علاجية فعالة، وأحيانًا أقل تكلفة وأكثر سهولة من بعض أشكال العلاج التقليدي. 

ولذلك أصبحت القراءة جزءًا من برامج الإرشاد النفسي والعلاج المعرفي السلوكي في عدد من الدول الغربية، خاصة مع تطور ما يعرف بالعلاج بالحكاية.

فرويد والأدب.. علاقة قديمة

يتوقف الكتاب مطولًا عند العلاقة بين الأدب وعلم النفس، مستعرضًا تجربة الطبيب النمساوي سيغموند فرويد الذي استلهم أسماء عدد من الاضطرابات النفسية من شخصيات أدبية وأسطورية معروفة.

كما ينقل الكتاب عن فرويد تقديره الكبير للكتّاب والأدباء، الذين اعتبرهم قادرين على الوصول إلى أعماق النفس البشرية بطرق قد لا يتمكن العلم من بلوغها بسهولة.

وبعد فرويد، استمر هذا التداخل بين الأدب وعلم النفس، فظهرت تسميات مثل متلازمة عطيل المرتبطة بالغيرة المرضية، ومتلازمة دوريان جراي المرتبطة بالهوس بالشباب والمظهر، وعقدة سندريلا المرتبطة بالخوف من الاستقلالية، ومتلازمة بوليانا التي تعبر عن التفاؤل المفرط وغير الواقعي.

الأدب المصري.. خريطة للشخصية الإنسانية

ويؤكد الجنوبي أن الرواية المصرية الحديثة قدمت خريطة ثرية للشخصية الإنسانية، إذ ترك الأديب نجيب محفوظ إرثًا من الشخصيات الخالدة مثل أمينة وسي السيد وسعيد مهران وكمال عبد الجواد.

بينما رسم خيري شلبي نماذج شعبية نابضة بالحياة مثل فاطمة تعلبة والعميد صالح هيصة وحسن أبو ضب، لتظل هذه الشخصيات مرآة للمجتمع وتحولاته النفسية والاجتماعية.

الكتب ملاذ الأرواح

وفي ختام رحلته، يؤكد الجنوبي أن القراءة ليست بديلًا عن العلاج النفسي المتخصص عند الحاجة، لكنها تظل وسيلة مهمة لدعم الصحة النفسية وتعزيز القدرة على مواجهة القلق والوحدة والاغتراب.

ويستشهد بما أورده عدد من الباحثين في مجال العلاج بالقراءة حول دور الكتب في التخفيف من أعراض الاكتئاب والقلق واليأس واضطراب ما بعد الصدمة والشعور بالعزلة. فالقراءة تمنح الإنسان فرصة لإعادة تفسير حياته وفهم مشاعره وإدراك أن معاناته ليست استثناءً.