يشهد العراق تحولاً سياسيًا وأمنيًا لافتًا قد يُمهّد لمرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، بعدما أعلنت حركة "عصائب أهل الحق"، الثلاثاء، الشروع في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي، لتصبح ثاني أبرز قوة مسلحة شيعية تتخذ هذه الخطوة بعد "سرايا السلام" التابعة للزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

وأعلنت قيادة الحركة، بزعامة قيس الخزعلي، تشكيل لجنة مركزية تتولى استكمال جميع الإجراءات المتعلقة بجرد الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات والوسائل اللوجستية، تمهيدًا للارتباط المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية، بما ينسجم مع متطلبات الدولة ومؤسساتها الأمنية.

ويمثل القرار تطورًا مهمًا في ملف ظل لعقود من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في العراق، إذ ارتبطت الفصائل المسلحة بمراكز نفوذ سياسية وعسكرية واسعة منذ سنوات ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003، قبل أن يتعزز دورها بصورة أكبر عقب الحرب ضد تنظيم داعش وتشكيل هيئة الحشد الشعبي.

وأكدت "العصائب" أن خطوتها جاءت استجابة لدعوات المرجعية الدينية العليا ومواقف القوى السياسية المنضوية ضمن الإطار التنسيقي، فضلاً عن انسجامها مع التوجهات الوطنية الداعية إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر استخدام القوة بالمؤسسات الرسمية.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من قرار مقتدى الصدر فك ارتباط "سرايا السلام" بالتيار الوطني الشيعي وإلحاقها بالمؤسسات الأمنية الرسمية، ما منح مشروع حصر السلاح زخمًا سياسيًا غير مسبوق، ودفع مراقبين إلى الحديث عن بداية مرحلة جديدة قد تنهي تدريجيًا ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة في البلاد.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الضغوط المتزايدة التي تواجهها بغداد داخليًا وخارجيًا؛ فإلى جانب مطالب المرجعية الدينية والقوى السياسية بفرض هيبة الدولة، تتعرض الحكومة العراقية لضغوط أمريكية وغربية متواصلة تربط توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بإحراز تقدم ملموس في ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.