في أعماق البحار والمحيطات، بعيدًا عن صخب المدن وضجيج الحياة اليومية، تدور معركة لا يراها كثيرون، معركة تخوضها كائنات بحرية ظلت لملايين السنين جزءًا من منظومة الحياة ، لكنها تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تهدد وجودها وتضع مستقبلها على المحك.
فالبيئة البحرية، التي تمثل أحد أهم ركائز التوازن البيئي العالمي، لم تعد بمنأى عن آثار التغيرات المناخية والتلوث البيئي والصيد الجائر، العوامل التي أسهمت خلال العقود الأخيرة في تراجع أعداد العديد من الأنواع البحرية، ودفع بعضها إلى قوائم الكائنات المهددة بالانقراض.
وتشير الدكتورة سامية محسن المهدي أستاذ مساعد ديناميكا التجمعات السمكية والمصايد بشعبة المصايد بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، إلى أن الكائنات البحرية المهددة بالانقراض لا تمثل مجرد أنواع نادرة آخذة في التراجع، بل تعد مكونات رئيسية داخل شبكة بيئية دقيقة يرتبط استقرارها باستمرار التوازن داخل النظم البحرية.
وتوضح أن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة يعتمد ما يعرف بـ"القائمة الحمراء" لتقييم أوضاع الأنواع المختلفة، حيث يتم تصنيفها وفق مستويات الخطر التي تواجهها، بدء من الأنواع المعرضة للخطر وصولًا إلى الأنواع المهددة بخطر الانقراض الشديد.
ومن بين أكثر الكائنات البحرية تعرضًا للتهديد تأتي السلاحف البحرية، التي نجحت في البقاء على قيد الحياة لأكثر من مائة مليون عام، لكنها تواجه اليوم مخاطر متزايدة نتيجة التلوث البلاستيكي والصيد العرضي وتراجع مناطق التعشيش وارتفاع درجات الحرارة، وتمثل السلاحف البحرية عنصرًا مهمًا في الحفاظ على صحة الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية، ما يجعل تراجع أعدادها قضية تتجاوز حدود نوع واحد إلى منظومة بيئية كاملة.
ولا تختلف الصورة كثيرًا بالنسبة للشعاب المرجانية، التي يطلق عليها علماء البحار "غابات المحيطات الملونة"، فهذه النظم البيئية التي تؤوي آلاف الأنواع البحرية باتت تواجه موجات متكررة من الابيضاض بسبب ارتفاع حرارة المياه وتزايد معدلات التلوث وتحـمض المحيطات، ما أدى إلى تراجع مساحات واسعة منها في العديد من مناطق العالم.
أما الثدييات البحرية، مثل الحيتان والدلافين وعروس البحر، فتواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة حركة الملاحة البحرية والتلوث الضوضائي وتراجع مساحات الأعشاب البحرية التي تمثل مصدرًا رئيسيًا لغذائها. ويُعد عروس البحر من الكائنات النادرة التي ما زالت تعيش في بعض مناطق البحر الأحمر، الأمر الذي يضاعف أهمية الحفاظ على موائلها الطبيعية.
وتحظى أسماك القرش باهتمام خاص لدى الباحثين، ليس فقط لكونها من أبرز المفترسات البحرية، ولكن لدورها المحوري في الحفاظ على التوازن داخل السلاسل الغذائية، إلا أن الصيد الجائر والتجارة العالمية في الزعانف دفعا العديد من أنواعها إلى دائرة الخطر.
ومن بين هذه الأنواع يبرز قرش الماكو قصير الزعانف، أحد أسرع أسماك القرش في العالم، والذي أثار ظهوره مؤخرًا في البحر الأحمر اهتمامًا علميًا واسعًا، فبينما يعكس وجوده ثراء التنوع البيولوجي الذي تتمتع به البيئة البحرية المصرية، فإنه يسلط الضوء في الوقت نفسه على التحديات التي تواجه هذا النوع المصنف ضمن الأنواع المهددة بخطر الانقراض نتيجة الصيد المكثف وبطء معدلات التكاثر.
ولا تقتصر التهديدات على القروش والسلاحف والثدييات البحرية، بل تمتد إلى أنواع أخرى مثل فرس البحر والتونة زرقاء الزعنفة وسمكة نابليون ومحار اللؤلؤ، وهي جميعها كائنات تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الاستغلال المفرط وتدهور المواطن الطبيعية والتلوث البحري.
ويؤكد المتخصصون أن الصيد الجائر لا يزال يمثل الخطر الأكبر على الحياة البحرية، يليه التلوث البحري والتغيرات المناخية وتلوث البيئات الساحلية والضوضاء الناتجة عن الأنشطة البحرية المختلفة، وهي عوامل تتداخل معًا لتشكل ضغوطًا متراكمة على الأنواع البحرية في مختلف أنحاء العالم.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبرز دور البحث العلمي باعتباره أحد أهم أدوات حماية التنوع البيولوجي البحري، من خلال رصد الأنواع المهددة، وتتبع أنماط هجرتها وتكاثرها، وتقييم المخزون السمكي، ووضع الأسس العلمية للإدارة المستدامة للموارد البحرية.
وفي هذا الإطار، يواصل المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد دوره البحثي في دراسة النظم البيئية البحرية بالبحرين الأحمر والمتوسط، ومتابعة تأثير المتغيرات البيئية على الكائنات البحرية، بما يدعم جهود الدولة في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتحقيق الاستدامة البيئية.
وربما لا تبدو قصة كائن بحري مهدد بالانقراض حدثًا يوميًا بالنسبة للكثيرين، لكنها في الواقع تمثل مؤشرًا على حالة بيئة كاملة ترتبط بالمناخ والغذاء والاقتصاد ومستقبل الأجيال القادمة، فكل نوع يختفي من البحار يترك فراغًا في منظومة معقدة يصعب تعويضها، ما يجعل حماية الحياة البحرية مسؤولية تتجاوز حدود العلم إلى قضية ترتبط بمستقبل الإنسان نفسه.