عادت واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري إيلامًا في سوريا إلى واجهة الاهتمام الشعبي والإعلامي، بعدما أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين أن التحقيقات التي أجرتها توصلت بدرجة عالية من اليقين إلى وفاة أطفال طبيبة الأسنان السورية رانيا العباسي، الذين اختفوا مع والديهم منذ أكثر من 13 عامًا خلال فترة حكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
وتُعد قضية رانيا العباسي، بطلة الشطرنج السورية السابقة وطبيبة الأسنان المعروفة، من أبرز ملفات المفقودين في سوريا. ففي مارس 2013، داهمت قوات أمنية منزل العائلة في مشروع دمر بدمشق، ليختفي أثر رانيا وزوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة: ديمة، وانتصار، ونجاح، وآلاء، وأحمد، وليان، دون أن يظهر أي دليل على مصيرهم طوال السنوات الماضية.
وأعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين، التي أُنشئت بعد سقوط النظام السابق للتحقيق في ملفات الإخفاء القسري، أنها توصلت إلى "نتائج موثوقة ومتقاطعة" تسمح بالاستنتاج بأن الأطفال قد فارقوا الحياة، مؤكدة استمرار العمل للعثور على الرفات وتحديد أماكن وجودها.
وظلت قضية الأطفال الستة لسنوات رمزًا لمعاناة آلاف العائلات السورية التي فقدت أبناءها داخل المعتقلات أو خلال عمليات الإخفاء القسري، وسط آمال متجددة بعد سقوط النظام السابق بإمكانية كشف الحقيقة.
ومع إعلان الهيئة نتائجها، خرج خال الأطفال حسان العباسي، المقيم في كندا، بتفاصيل وصفها بالمؤلمة حول تسجيل مصور اطلع عليه مؤخرًا، قال إنه لعب دورًا حاسمًا في الوصول إلى الحقيقة.
وأوضح العباسي في فيدو نشره على حسابه عبر "فيسبوك"، أن ما جرى تداوله عن مشاهدته أمجد يوسف وهو يقتل الأطفال غير دقيق، مؤكدًا أنه لم يشاهد عملية قتل مباشرة، بل تسجيلًا يظهر شخصًا يتنقل داخل غرفة مظلمة تضم أطفالًا قتلى، بينما يُسمع صوت يُنسب إلى أمجد يوسف وهو يذكر تاريخ 11 مارس 2013 ويتحدث عن "أولاد أكبر ممولي الإرهاب في ركن الدين".
وأضاف أن التسجيل أظهر الأطفال بملابسهم المعروفة في الصور العائلية القديمة، الأمر الذي ساعد أفراد الأسرة على التعرف إليهم. وقال إن الطفل أحمد ظهر مرتديًا الجاكيت ذاته الذي كان يرتديه في الصور المتداولة، فيما ظهرت آلاء بالكنزة الخضراء نفسها، وبدت نجاح مرتدية الكنزة الحمراء المعروفة مع آثار دماء قرب فمها.
وأشار إلى أن ثلاثة من الأطفال، وهم ليان وانتصار ونجاح، ظهروا وقد التف حول أعناقهم ما يشبه حبالًا سوداء، وهو ما يرجح تعرضهم للخنق، بحسب وصفه، مؤكدًا أن تطابق الملامح والملابس "لا يدع مجالًا للشك" في هوية الأطفال الظاهرين في التسجيل.
وقال العباسي إن العائلة عاشت سنوات طويلة على أمل العثور على الأطفال أحياء، مضيفًا أن الصدمة كانت قاسية بعد مشاهدة التسجيل والتأكد من مصيرهم، واصفًا أبناء شقيقته بأنهم "أطفال سوريا جميعًا"، وليسوا مجرد ضحايا لعائلة واحدة.
وتتجه الأنظار الآن إلى نتائج التحقيقات الجارية بشأن التسجيلات المنسوبة إلى أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في قضية مجزرة حي التضامن بدمشق، وسط مطالبات حقوقية بالكشف الكامل عن مصير آلاف المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الإخفاء القسري التي شهدتها البلاد على مدار سنوات النزاع.