في كل عام، ومع إشراقة السادس من شهر رمضان، تستدعي الذاكرة الإسلامية واحدة من أعمق المحطات في تاريخ الرسالات السماوية، محطة لا تتوقف عند حدود الحدث الديني المجرد، بل تمتد لتؤسس لتحول حضاري وتشريعي غيّر مسار أمة كاملة.
فهذا اليوم لا يُقرأ باعتباره رقمًا في التقويم الهجري، بل بوصفه نقطة انعطاف كبرى في علاقة السماء بالأرض، حين نزلت التوراة على كليم الله موسى عليه السلام، إيذانًا بانتقال الرسالة من طور الدعوة إلى طور الدولة، ومن البلاغ الشفهي إلى الشريعة المكتوبة.
ارتبط شهر رمضان في الوعي الإسلامي بنزول القرآن الكريم، غير أن كتب التراث تشير كذلك إلى صلته بنزول كتب سماوية سابقة، وفي مقدمتها التوراة. ويمنح هذا الارتباط الشهر بعدًا رساليًا خاصًا، إذ يصبح زمنًا يتجدد فيه معنى الهداية والتشريع.
ويؤكد علماء العقيدة أن الإيمان بالتوراة كتابًا منزّلًا من عند الله جزء من أركان الإيمان بالكتب السماوية، وأن الرسالات جميعها تشترك في أصل التوحيد، وإن اختلفت في تفاصيل الأحكام وفق مقتضيات الأزمنة والأقوام ومن هنا، فإن استحضار نزول التوراة في السادس من رمضان يُعيد التأكيد على وحدة المصدر الإلهي، وعلى أن مسيرة الوحي كانت سلسلة مترابطة الحلقات.
نزول التوراة
جاء نزول التوراة في مرحلة فارقة من تاريخ بني إسـ.ـرائيل، بعد نجاتهم من بطش فرعون وخروجهم من مصر، في رحلة شاقة نحو التحرر وبناء الذات. كانت الجماعة الناشئة في حاجة إلى إطار ينظم حياتها، ويضبط علاقتها بالله وبأنفسها وبغيرها، ويحولها من جماعة مضطهدة إلى أمة ذات نظام.
لم تكن التوراة مجرد نصوص وعظية، بل منظومة تشريعية متكاملة، حملت الأحكام والفرائض والحدود، وحددت معايير العدل والقصاص والعبادات والمعاملات لقد جاءت لتؤسس مجتمعًا منضبطًا بقانون إلهي واضح، يُحتكم إليه عند النزاع، ويُرجع إليه في إدارة شؤون الحياة.
ويمثل هذا التحول نقلة نوعية في مسار الرسالات السماوية، إذ انتقلت الدعوة من مجرد خطاب إيماني يواجه الطغيان، إلى مشروع حضاري يؤسس لكيان اجتماعي منظم تحكمه شريعة مكتوبة.
موسى عليه السلام
يحظى موسى عليه السلام بمكانة استثنائية في القرآن الكريم، إذ يُعد أكثر الأنبياء ذكرًا فيه، في سياق قصص المواجهة والصبر والتشريع فقد جمع في شخصه بين مقام النبوة والقيادة السياسية، وبين البلاغ عن الله وإدارة شؤون قومه.
قاد موسى عليه السلام معركة التحرر من فرعون، ثم واجه تحديات داخلية مع قومه، من ترددهم وضعفهم وحنينهم إلى الماضي وفي خضم هذه التحولات، جاء نزول التوراة تتويجًا لمسيرته، ليضع بين يدي الأمة الناشئة دستورًا ينظم حياتها، ويمنحها هوية تشريعية واضحة.
لقد كان موسى عليه السلام قائد مرحلة انتقالية دقيقة انتقل فيها قومه من الفوضى إلى النظام، ومن العبودية إلى المسؤولية، ومن التشتت إلى بناء جماعة تستند إلى شريعة ملزمة.
تشير الروايات إلى أن التوراة نزلت على موسى عليه السلام في صورة ألواح، وهو مشهد يحمل دلالات عميقة في الثقافة الدينية. فالألواح ترمز إلى التوثيق والتثبيت، وتؤكد أن التشريع لم يعد مجرد توجيهات شفهية، بل أصبح نصًا مكتوبًا محفوظًا.