في الحلقة السادسة من مسلسل "صحاب الأرض"، الذي يُعرض في رمضان ويقوم ببطولته منة شلبي وإياد نصار وعصام السقا، لا يقدّم العمل مجرد مشهد درامي عابر، بل يفتح بابًا على واحدة من أكثر الظواهر الأمنية تعقيدًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: "المستعرب".
الحلقة حملت عنوان "المستعرب"، حيث يظهر "توفيق" – رجل الإسعاف الذي يتحدث بلهجة فلسطينية سليمة، ويصلي مع الناس، ويتحرك بينهم كواحد منهم – قبل أن يُكشف أنه ضابط إسرائيلي متخفٍ. لحظة الانكشاف لا تصدم الشخصيات وحدها، بل تصيب المشاهد بارتباك عميق: كيف يمكن أن يتحول أقرب الناس إلى أكثرهم خطرًا؟
هذا السؤال الدرامي ليس خيالاً؛ ففكرة التسلل بهوية عربية، والعيش داخل المجتمع الفلسطيني لفترات طويلة، ليست اختراع كاتب سيناريو، بل عقيدة أمنية قائمة منذ عقود تُعرف بوحدات "المستعربين".

من هو المستعرب؟
والمستعرب – في السياق الأمني الإسرائيلي – هو عنصر يتقن اللغة واللهجة والعادات، يتخفى بملابس مدنية، وقد يؤدي دور مسعف أو صحفي أو عامل أو حتى متظاهر، بهدف جمع المعلومات أو تنفيذ اعتقال أو اغتيال. خطورته لا تكمن فقط في سلاحه، بل في قدرته على محو الفاصل بين "الداخل" و"الخارج"، بين "الأمان" و"الاختراق".
ولهذا، حين يختار مسلسل "صحاب الأرض" أن يعنون حلقته بـ"المستعرب"، فإنه لا يستدعي مصطلحًا عسكريًا فحسب، بل يستحضر حالة نفسية كاملة: الشك، الارتياب، وانهيار الثقة داخل مجتمع يعيش تحت القصف والحصار.
فوجود "مستعرب" يعني أن الخطر لا يأتي دائمًا من الدبابة أو الطائرة، بل قد يجلس إلى جوارك، يردد دعاءك ذاته، ثم ينقلب عليك في اللحظة الحاسمة.
من هنا يصبح السؤال: من هم المستعربون؟ وكيف نشأت هذه الوحدات؟ ولماذا يُعاد استحضارهم اليوم في الدراما التي توثق حرب غزة؟ هذا ما سنحاول تفكيكه في السطور التالية.
من فكرة استعمارية إلى عقيدة أمنية
تشير المعطيات التاريخية إلى أن "المستعربين" لم يظهروا بوصفهم وحدة عسكرية تقليدية، بل كفكرة اختراق ثقافي-لغوي سبقت قيام إسرائيل. ففي أربعينيات القرن الماضي، نشطت عناصر متخفية ضمن تنظيمات مثل الهاغاناه وإيتسل وليحي، قبل أن تتبلور داخل البلماخ عام 1943 في إطار "الدائرة العربية".
تحليل هذه المرحلة يكشف أن التخفّي لم يكن مجرد وسيلة، بل جزءًا من تصور أمني يقوم على "الاندماج الكامل" داخل المجتمع المستهدف: لغةً، مظهرًا، وعادات. أي أن التفوق المطلوب لم يكن ناريًا فقط، بل ثقافيًا وسلوكيًا.
مؤسسة التخفّي بعد 1952
مع إنشاء وحدة داخل جهاز الأمن الداخلي الشاباك عام 1952، انتقلت الفكرة من مبادرات شبه عسكرية إلى إطار مؤسساتي رسمي. هنا تحول التخفي إلى أداة دائمة ضمن بنية الدولة الأمنية.
لاحقًا، أسّس إيهود باراك عام 1986 وحدة "دوفدفان" قبيل الانتفاضة الأولى، ما يعكس إدراكًا مبكرًا بأن المواجهة المقبلة ستكون "داخل المدن"، وأن العمل السري المتنكر سيكون أكثر فاعلية من الانتشار العسكري الظاهر.
التحول هنا نوعي؛ لم تعد الوحدة أداة جمع معلومات فقط، بل ذراع اعتقال واغتيال داخل نسيج مدني كثيف.
هندسة الاختراق.. كيف يُصنع "المستعرب"؟
تتفق المصادر على عناصر ثابتة في البنية التشغيلية:
- اختيار أفراد بملامح شرقية وإجادة العربية بلهجاتها المحلية
- تدريب يمتد 12–15 شهرًا يشمل الثقافة والعادات الدينية والاجتماعية
- الاستعانة بخبراء تنكّر ومكياج
- محاكاة كاملة للبيئة: ملابس، سيارات، سلوك احتجاجي
هذه المعادلة تكشف أن "المستعرب" ليس جنديًا متنكرًا فحسب، بل شخصية مركّبة تُبنى بعناية لتعيش داخل الدور. ويشير هذا إلى أن الوحدة تستثمر في "رأس المال الثقافي" بقدر استثمارها في السلاح.
من تفكيك المظاهرات إلى شرعنة التدخل
في تقارير نشرت في عامي 2015 و2017، وثّقت مصادر إعلامية نمطًا متكررًا:
يتسلل عناصر متخفون إلى مظاهرات في رام الله أو قرب مستوطنة بيت إيل، يشاركون في الهتاف ورشق الحجارة، ثم ينقلبون فجأة لاعتقال أهداف محددة تحت غطاء فوضى مصطنعة.
تحليليًا، يقوم هذا الأسلوب على خلق "لحظة ذروة" تبرر تدخل القوات النظامية. أي أن الوحدة لا تكتفي باختراق الحدث، بل قد تساهم في تشكيله ميدانيًا بما يخدم الهدف الأمني.
في ديسمبر 2017، بعد إعلان دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، برز هذا النمط بقوة، ما يدل على توظيف المستعربين في لحظات التصعيد السياسي.
تعدد الأذرع وتوزيع المهام
البنية الحالية تتوزع بين الجيش والشرطة والسجون:
- دوفدفان: نشاط رئيسي في الضفة
- وحدات تابعة لـ حرس الحدود الإسرائيلي
- متسادا داخل السجون
- غدعونيم ضمن الشرطة
هذا التوزيع يعكس "مأسسة التخفّي" عبر أكثر من جهاز، بما يسمح بمرونة تشغيلية: من الشارع إلى الزنزانة.
2024: التوسع إلى المرافق المدنية
في فبراير 2024؛ نقل العملية داخل مستشفى ابن سينا في جنين، حيث دخل عناصر متخفون بزي نسائي وطبي ونفذوا عملية قتل داخل جناح علاجي.
وتمثل هذه الحادثة انتقالاً من "الشارع كساحة اشتباك" إلى "المرفق المدني كمسرح عملية". وهو تطور يطرح إشكاليات قانونية تتصل بقواعد الاشتباك وحماية المنشآت الطبية في النزاعات.
كما يعكس تزايد الاعتماد على هذه الوحدات بالتوازي مع الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، ما يوحي بأن التخفّي بات خيارًا مفضلاً في بيئة حضرية معقدة.
الاندماج الطويل في هوية مزدوجة
رغم الفعالية التشغيلية، أشارت تقارير إلى ضغوط نفسية عانى منها بعض العناصر، وصلت إلى دعاوى تعويض. وهذا يكشف جانبًا أقل ظهورًا: أن الاندماج الطويل في هوية مزدوجة قد يخلّف آثاراً نفسية عميقة.
وبذلك، لا تمثل وحدات "المستعربين" مجرد فرق خاصة، بل نموذجًا أمنياً قائمًا على اختراق النسيج الاجتماعي ذاته، حيث يصبح الحد الفاصل بين المدني والعسكري، والمحتج والعنصر الأمني، مساحة رمادية تُدار عملياتيًا لصالح الهدف الأمني.