تحولت الناشطة الأيرلندية كاتريونا جراهام إلى أيقونة نضالية عالمية بعد مواجهتها العلنية لوزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير خلال احتجاز نشطاء "أسطول الصمود" المتجه إلى قطاع غزة.

وأشعلت جراهام موجة تضامن واسعة بعدما صرخت في وجه بن غفير، قائلة:"الحرية لفلسطين"، أثناء سخريته من النشطاء المقيدين داخل ميناء أسدود عقب اعتراض الأسطول في المياه الدولية، حيث قال:" أهلا بيكم في أرض إسرائيل، نحن أصحاب الأرض". 

كما تحولت صور الناشطة الأيرلندية وهي تواجه الوزير الإسرائيلي بابتسامة متحدية إلى رمز عالمي جديد لمقاومة القمع الإسرائيلي والانتصار لحرية التضامن الإنساني.

ويأتي هذا المشهد بينما تتصاعد الضغوط الدولية على حكومة بنيامين نتنياهو بسبب طريقة تعاملها مع النشطاء الأجانب المشاركين في الأسطول البحري التضامني.

Image

لماذا تقف أيرلندا مع غزة؟

لم يكن تعاطف الناشطة الأيرلندية، التي شاركت ثلاث مرات في "أسطول الصمود"، موقفًا عابرًا أو منفصلًا عن السياق التاريخي لبلادها، بل امتدادًا لإرث أيرلندي طويل ارتبط بمقاومة الاستعمار البريطاني وحركات التحرر الوطني التي أسهمت في تشكيل الوعي السياسي والشعبي داخل أيرلندا عبر عقود طويلة.

وشهدت أيرلندا خلال القرن الماضي حرب استقلال دامية ضد بريطانيا بين عامي 1919 و1921 انتهت بقيام الدولة الأيرلندية الحرة وتقسيم الجزيرة.

كما عاشت أيرلندا الشمالية لعقود طويلة صراعًا دمويًا عرف باسم "الاضطرابات" بين القوميين الساعين للوحدة والموالين للبقاء ضمن المملكة المتحدة البريطانية.

واعتمدت الحركة الأيرلندية تاريخيًا على الدمج بين العمل السياسي والكفاح الشعبي والعسكري عبر الجناحين السياسي والعسكري للحركة الجمهورية الأيرلندية.

فيما أدى هذا المسار الطويل في النهاية إلى توقيع اتفاقية "الجمعة العظيمة" عام 1998 التي أرست أسس السلام والتسوية السياسية داخل أيرلندا الشمالية.

ولذلك ينظر كثير من الأيرلنديين إلى القضية الفلسطينية باعتبارها امتدادًا رمزيًا لتجارب التحرر الوطني ومقاومة الهيمنة والاحتلال التي عاشها شعبهم تاريخيًا.

مشهد الإذلال

على صعيد متصل، أثار الفيديو الذي نشره إيتمار بن غفير بنفسه موجة إدانات دولية واسعة بعدما ظهر فيه نشطاء مكبلو الأيدي ومعصوبو الأعين داخل ميناء أسدود الإسرائيلي.

كما بدا الوزير الإسرائيلي المتطرف متفاخرًا بعملية التنكيل وهو يلوح بالعلم الإسرائيلي مرددًا عبارة "أهلا بكم في إسرائيل.. نحن أصحاب الأرض" أمام الكاميرات.

وأظهر اعتراض البحرية الإسرائيلية لـ"أسطول الصمود" في المياه الدولية قرب قبرص فصلًا جديدًا من المواجهة بين الاحتلال وحركات التضامن الدولية مع غزة المحاصرة.

فيما اعتبر ناشطون وحقوقيون أن ما جرى تجاوز حدود الاعتقال الأمني إلى سياسة إذلال ممنهجة تستهدف ترهيب المتضامنين الأجانب ومنع تكرار المبادرات البحرية الإنسانية.

وأكدت تقارير إسرائيلية أن الصدمة داخل الأوساط السياسية لم تكن بسبب التنكيل نفسه، بل بسبب قيام بن غفير بنشر المشاهد علنًا دون أي اعتبار للتداعيات الدولية.

أزمة داخل إسرائيل

أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية إمطانس شحادة أن الفيديو نقل حقيقة إسرائيل للعالم باعتبارها منظومة قائمة على العنف البنيوي ومعاداة حقوق الإنسان والحريات العامة.

كما أوضح شحادة في تصريحات إعلامية، أن تصرف بن غفير ألحق ضررًا بالغًا بصورة إسرائيل الخارجية وأحرج حكومة نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر أمام الحلفاء الغربيين.

وأشار إلى أن استعجال الحكومة الإسرائيلية ترحيل النشطاء الأجانب يعكس حالة ذعر سياسي وقانوني خشية تحول القضية إلى ملف حقوقي دولي واسع التأثير.

فيما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين حكوميين غضبهم من تصرف بن غفير الذي نسف جهود الدبلوماسية الإسرائيلية لتلميع صورة الاحتلال خارجيًا.

وأكدت تقارير عبرية أن نتنياهو حاول احتواء الأزمة بإعلان أن طريقة التعامل مع النشطاء لا تمثل "معايير دولة إسرائيل" رغم دفاعه عن اعتراض الأسطول.

كما دخل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في مواجهة علنية مع بن غفير متهمًا إياه بإلحاق ضرر متعمد بصورة إسرائيل عالميًا.

غضب دولي

في سياق أوسع، أثارت الحادثة أزمة دبلوماسية واسعة بعدما استدعت عدة دول أوروبية سفراء إسرائيل احتجاجًا على معاملة نشطاء "أسطول الصمود" داخل ميناء أسدود.

كما طالبت بولندا بمنع إيتمار بن غفير من دخول أراضيها بسبب الانتهاكات المرتكبة بحق النشطاء الدوليين المحتجزين مؤخرًا.

ودعت إيطاليا الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على الوزير الإسرائيلي المتطرف، بينما وصفت حكومات غربية المشاهد بأنها مهينة وصادمة للكرامة الإنسانية.

وانتقدت بريطانيا وأيرلندا وكوريا الجنوبية وألمانيا طريقة التعامل مع النشطاء، معتبرة أن ما جرى لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان.

كما خصصت صحيفة هآرتس افتتاحيتها للهجوم على ما وصفته بعنف وإذلال النشطاء أمام الكاميرات بحضور وزراء في الحكومة الإسرائيلية.

وأكدت الصحيفة أن قوارب الأسطول لم تكن تحمل أسلحة، بل سعت فقط إلى لفت انتباه العالم إلى الكارثة الإنسانية المتفاقمة داخل قطاع غزة المحاصر.

فيما اعتبر وزير العدل الإسرائيلي الأسبق دانيال فريدمان أن بن غفير تجاوز كل الخطوط الحمراء وأصبح يفرض إملاءاته على نتنياهو مستغلًا هشاشة الائتلاف الحاكم.

وبينما كانت كاتريونا جراهام تصرخ في وجه بن غفير داخل الميناء، كانت صورة أخرى تتشكل عالميًا؛ صورة ناشطة أيرلندية أعزل هزمت بخطابها الإنساني آلة دعائية مدججة بالقوة والعنف.