"لم يُعرض علينا ولم نُشارك فيه"… هذا نص بيان مقتضب صدر عن الأزهر الشريف في خضمِّ الضجيج الذي ملأ ساحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة حول قانون الأحوال الشخصية الجديد، وكأن الأزهر الشريف يكتفي بإبراء ذمته من قانونٍ أثار قلق الناس واعتراضهم، مع أن الأمة ما عهدت الأزهر يومًا مؤسسةً تقتصر رسالتها على التنصّل من المسؤولية أو إعلان عدم المشاركة، وإنما عهدته صوتًا للحق، وحصنًا للأمة، ومرجعًا يلوذ به الناس كلما اضطربت القضايا الكبرى، واختلطت المفاهيم، واشتدت العواصف.

لقد ظل الأزهر عبر تاريخه الطويل أمينًا على هوية الأمة، مدافعًا عن ثوابتها، منحازًا إلى وجدان الناس وفطرتهم السليمة، لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يتراجع أمام الضغوط مهما عظمت. ومن هنا كان انتظار الجماهير لموقفٍ واضحٍ حاسمٍ من الأزهر الشريف يطمئن القلوب، ويعيد إلى الناس ثقتهم بأن ثوابت الأسرة المسلمة ما زالت تجد من يحرسها ويحميها.

إن الاعتراض الشعبي الواسع على بعض المواد المطروحة لم يكن وليد تعصبٍ أو جمود، بل انطلق من إحساسٍ فطريٍّ عميق بأن الأسرة ليست ميدانًا للتجارب الاجتماعية المستوردة، ولا ساحةً لتفكيك القيم التي قام عليها المجتمع المسلم عبر قرون. وقد أدركت كثير من النساء قبل الرجال خطورة بعض هذه التصورات التي تجعل الحياة الزوجية علاقةً معلقةً على الاختبار والتجريب، وتفتح أبوابًا  من الرزيلة تهدد الاستقرار الأسري، وتضعف معاني المودة والسكينة التي جعلها الله أساسًا للعلاقة بين الزوجين.

ولهذا التفتت أنظار الناس إلى الأزهر الشريف؛ إلى قبابه ومنابره، وإلى شيخه وعلمائه، كما يلتفت الملهوف إلى موضع النجاة، والظمآن إلى مورد الماء، ينتظرون كلمةً تطفئ القلق، وموقفًا يعيد الطمأنينة، وبيانًا يعبّر عن ضمير الأمة، ويؤكد أن الشريعة الإسلامية ليست نصوصًا معطلة، وإنما هي المرجعية الحاكمة التي تحفظ الدين والأسرة والمجتمع.

ولقد كان الأزهر ـ عبر تاريخه المجيد ـ إذا نزلت بالأمة نازلة، أو أُريد المساس بثوابتها، وقف موقف الجبل الأشم، لا تلين قناته، ولا تنحني هامته، مدركًا أن الحفاظ على الأسرة حفاظٌ على بقاء الأمة ذاتها؛ فإذا انهار البيت المسلم، تهاوى المجتمع كله، وأصبح أوهن من بيت العنكبوت.

ومن هنا فإن الناس لا يزالون يأملون في الأزهر الشريف، بما له من مكانة راسخة في وجدان المصريين والمسلمين، أن يمارس دوره التاريخي كاملاً، وأن يطالب ـ بوضوحٍ وحسم ـ بتفعيل المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وأن يبين للأمة ما يتوافق مع أحكام الشريعة وما يخالفها، حتى تبقى الأسرة المسلمة محفوظة البنيان، مصونة القيم، بعيدةً عن كل ما يراد بها من تفكيك أو عبث تحت شعارات براقة تخالف في حقيقتها فطرة المجتمع وثوابته.

فالأزهر لم يكن يومًا مجرد مؤسسة تعليمية، بل كان ـ وسيظل ـ ضمير الأمة الحي، وحارس هويتها، والملاذ الذي تلجأ إليه الشعوب حين تضطرب الموازين وتشتد الفتن.