قد تندحر وتتهاوى الأمم تحت وطأة شعارات رنانة، كالقومية، والاستقلال، والحرية؛ تلك الشعارات التي تُزرع بها بذور الفرقة والتمزق بين الأجناس، فوجدوا دغدغة المشاعر بفكرة القومية العربية، على أن يساندها الغرب، وبالفعل تم دعهمها ومساندتها لا حباً فيها، بل لخطة مُعدة مُسبقًا، ألا وهي تعميق الانقسام بين النسيج الواحد، مع تسليط الضوء على شخصيات يرونها مشاريع مخلصين لأجنداتهم. 
وبالطبع، ليس كل فكرة تجد الطريق ممهدًا أمامها للنجاح، كما لا تنجح خططهم دائماً في اختيار من يعولون عليه، كما حدث مع السلطان عبد الحميد الثاني الذي تولى الخلافة بعد عزل السلطانين عبد العزيز ومراد الخامس، مع سعى مدحت باشا، الذي ظهر بمظهر المخلص المحب للإسلام والعمل الدؤوب، إلى تنصيب عبد الحميد الثاني بدلاً من أخيه مراد الخامس عام 1876م، طمعاً في إقرار الدستور الذي وضعه، إلا أن السلطان عبد الحميد واجه هذا التوجه بالرفض، وبدأ في تقويض نفوذ مدحت باشا بعد أن كشف حقيقة انتمائه لتيارات الماسونية ودعوته المضللة للحرية التي لم تكن سوى وسيلة لتحقيق أطماحه، مستعيناً في ذلك بـ'يلمان' وصحيفته التي كان يمتلكها 'وطن' التي عُدت خصيصًا لتكون لسان حال اليهود في تركيا.
ادرك السلطان عبد الحميد خطر 'مدحت باشا'، فأصدر قراراً بعزله عام 1877م وتم نفيه إلى أوروبا، حتى أعاده مرة أخرى إلى سوريا وعينه والياً عليها، وظل هكذا حتى قُدّم للمحاكمة بتهمة قتل السلطان عبد العزيز، وصدر بحقه حكم بالإعدام، لكن السلطان خفف عنه الحكم، مكتفياً بنفيه إلى الطائف، حيث ظل هناك حتى مات مع تواترت الأخبار أنه مات خنقاً. 
ولم يتوقف مكائد اليهود عند وفاة 'مدحت باشا'، بل استمروا في بث سمومهم، وحياكة المؤامرات لتفكيك وتخريب الدولة العثمانية، فبدأوا بممارسة الضغوط على السلطان عبد الحميد بقيادة 'تيودور هرتزل'، بعرض السماح لليهود باستيطان فلسطين مقابل تقديم دعم مالي سخي للدولة العثمانية، فرفض السلطان هذا العرض، رفضًا قطعيًا، قائلاً مقولته الشهيرة: 'إن أرض وطننا لا تباع بالدراهم، فبلادنا التي حصلنا على كل شبر منها ببذل دماء أجدادنا لا يمكن أن نفرط في أي جزء منها دون أن نبذل أكثر مما بذلناه من دماء في سبيلها'، وهو ما أورده جواد رفعت في كتابه.
فأدرك اليهود أن السلطان عبد الحميد سيظل عقبة كؤوداً أمام مطامعهم، فوضعوا خططاً لإسقاطه، معتمدين على متآمرين من داخل النسيج التركي؛ فاستعانوا بالماسونيين وأتباع طائفة 'الدونمة' والجمعيات السرية، وعلى رأسها 'جمعية الاتحاد والترقي'، التي انضم إليها ضباط أتراك بعد انتسابهم للمحافل الماسونية، ومن بينهم 'مصطفى كمال' المولود في سلانيك، والذي يرجح مؤرخون كثر أنه من يهود الدونمة، وبالتزامن مع ذلك، قامت حركات القومية العربية ببث سمومها لإثارة الفتنة ضد السلطان، وساعدوا في الانقلاب الشهير على السلطان عام 1908، وتجريده من سلطاته كلها ومن ثم عزله في مارس 1909م، وتم تنصيب محمد الخامس سلطاناً خلفًا له، ولكن للأسف سلطانًا صورياً. 
وفي المقال القادم، سنوضح الأذرع التي اعتمدت عليها الماسونية في تحقيق مخططاتها.