في قرية طوخ القراموص التابعة لمركز أبو كبير، محافظ الشرقية لا تُزرع الأرض فقط بل يُعاد إحياء التاريخ فهنا، في قلب ريف الشرقية، ما زال نبات البردي ينبض بروح الحضارة المصرية القديمة، بعدما تحولت القرية إلى واحدة من أهم القلاع الحرفية التي تحافظ على صناعة ورق البردي وتعيد تقديمه للعالم بروح عصرية تدرّ الدخل وتفتح أبواب الرزق لمئات الأسر.
الطين الذي احتضن البردي قبل آلاف السنين، أصبح اليوم مصدر “ذهب أخضر” يربط الماضي بالحاضر، ويحوّل التراث الفرعوني إلى صناعة اقتصادية متكاملة تبدأ من الحقل وتنتهي في الأسواق السياحية العالمية.
رحلة البردي من الشتلة إلى التحفة الفنية
يقول أحمد المأذون، أحد مزارعي القرية، إن رحلة البردي تبدأ بعناية دقيقة منذ اللحظة الأولى لزراعة الشتلات داخل التربة الطينية، وفق مسافات مدروسة ونظام ري منتظم، مع متابعة مستمرة للتسميد والرعاية حتى يصل النبات إلى مرحلة الحصاد.
لكن الحكاية الحقيقية تبدأ بعد قطع النبات، حين يدخل إلى الورش الصغيرة المنتشرة داخل القرية ليمر بسلسلة طويلة من المراحل الدقيقة التي تحوّل السيقان الخضراء إلى ورق يحمل ملامح الحضارة المصرية القديمة.
تبدأ العملية بتقشير الطبقة الخارجية للنبات واستخراج القلب الأبيض، ثم غليه لساعات طويلة قبل طرقه وفرده بعناية لتجهيز الألياف. وبعدها تُقطع الشرائح وتُغسل بمواد خاصة، ثم تُفرد للتجفيف في الظل للحفاظ على جودتها.
أما المرحلة الأهم، فهي “العصر”، حيث تُوضع الشرائح داخل مكابس حديدية بين طبقات من القماش والكرتون لاستخراج المياه وتماسك الألياف، حتى تخرج في النهاية ورقة بردي متينة وناعمة، جاهزة للرسم والطباعة والنقش.
من الشرقية إلى خان الخليلي وأسواق العالم
ورق البردي المنتج في طوخ القراموص لا يبقى داخل حدود القرية، بل ينطلق إلى أسواق السياحة في خان الخليلي والأقصر وأسوان، حيث يُباع خامًا أو مزينًا برسوم فرعونية ومعابد وملوك مصر القديمة.
وتتحول كل قطعة إلى رسالة فنية تحمل هوية مصر وتراثها، قبل أن تجد طريقها إلى السائحين والأسواق الخارجية عبر التجار والبازارات السياحية.
محافظ الشرقية: البردي مشروع حضاري واقتصادي
من جانبه، أكد حازم الأشموني أن ما تشهده طوخ القراموص يتجاوز كونه نشاطًا زراعيًا، واصفًا القرية بأنها نموذج حي لتحويل التراث إلى قوة اقتصادية وثقافية.
وأوضح أن صناعة البردي تمثل جزءًا أصيلًا من هوية محافظة الشرقية، مشددًا على أهمية دعم الحرف التراثية وتحويلها إلى مصدر دخل مستدام للأهالي، تنفيذًا لتوجهات الدولة في الحفاظ على الصناعات اليدوية والترويج لها عالميًا.
وأضاف أن المحافظة تستهدف التوسع في تسويق البردي الشرقاوي داخل المعارض السياحية الدولية، ليصبح علامة مصرية مميزة تحمل اسم طوخ القراموص إلى العالم.
في هذه القرية الصغيرة، لا يزرع الأهالي مجرد نبات بل يعيدون كتابة التاريخ على أوراق من البردي، ويثبتون أن التراث يمكن أن يكون صناعة للمستقبل، لا مجرد حكاية من الماضي.

