شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في الكيانات الشبابية بمصر، في إطار توجه الدولة نحو تمكين الشباب وإشراكهم في العمل العام وصناعة القرار، إلا أن هذا التوسع فتح باب النقاش واسعًا حول مدى فاعلية هذه الكيانات وقدرتها على تحقيق تأثير حقيقي على أرض الواقع، في ظل تزايد أعدادها وظهور بعض التحديات التنظيمية والتنافسات بين الشباب داخلها.

وبسبب هذا الجدل المتصاعد، قامت "اليوم" بإعداد هذا التقرير، في ضوء تزايد المطالب البرلمانية بضرورة إعادة تقييم دور الكيانات الشبابية، وضمان تحولها من مجرد أطر تنظيمية إلى منصات حقيقية لتأهيل وتمكين الشباب، بما يحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.

طلب إحاطة يفتح التساؤلات 

تقدمت النائبة شذا أحمد حبيب، أمين سر لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن ما أثير حول بعض الكيانات والاتحادات الشبابية المشهرة حديثًا، في ظل تساؤلات حول آليات عملها ومدى قيامها بالدور المنوط بها في إعداد وتمكين الشباب.

وأكدت النائبة شذا أحمد حبيب، في تصريحات خاصة لـ"اليوم"، أن الهدف من طلب الإحاطة هو الوقوف على حقيقة الوضع داخل هذه الكيانات، وضمان أن تكون بيئة حقيقية لصناعة الكوادر الشبابية وليس مجرد مسميات تنظيمية، مشددة على أهمية مراجعة الأداء وتقييم النتائج بشكل دوري.

وأوضحت أن الكيانات الشبابية تعد من أهم أدوات الدولة في إعداد القيادات المستقبلية، لكنها في الوقت ذاته بحاجة إلى تطوير حقيقي في آليات عملها، مشيرة إلى ضرورة الانتقال من مرحلة "الوجود الشكلي" إلى "التأثير الفعلي"، من خلال ربط أنشطة الكيانات باحتياجات الدولة، وفتح مسارات واضحة لتمكين الشباب في مختلف القطاعات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

كما أشارت إلى أن ما أثير مؤخرًا حول بعض الكيانات يتطلب مزيدًا من التدقيق والمتابعة، لضمان الشفافية في الإدارة، وحماية التجربة الشبابية من أي ممارسات قد تؤثر على أهدافها الأساسية.

وطالبت بإنشاء آلية رقابية دائمة تضمن الحوكمة الرشيدة، مع الإفصاح الكامل عن نتائج لجان الفحص أو تقصي الحقائق الخاصة بأي مخالفات يتم رصدها.

 عززت ثقافة التطوع والانتماء

وفي ذات السياق، قالت النائبة دينا هلالي عضو لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، أن الكيانات الشبابية أصبحت جزءً مهمًا من دعم مشاركة الشباب في العمل المجتمعي والعام، وساهمت في خلق فرص حقيقية لإعداد كوادر شبابية قادرة على المشاركة وتحمل المسؤولية، لافتة إلى أن وجودها ساعد في تعزيز ثقافة التطوع والانتماء، وفتح مساحات للحوار والتفاعل مع قضايا المجتمع والتنمية.

وأضافت أن هناك خطوات إيجابية واضحة تحققت على أرض الواقع، خاصة مع انتشار المبادرات والأنشطة في المحافظات المختلفة، لكن ما زالت الحاجة قائمة لمزيد من التطوير في أدوات التواصل والوصول إلى شرائح أوسع من الشباب، مع التركيز على التنوع والتمثيل الحقيقي لكافة الفئات.

وأشارت هلالي إلى أن التأثير الحقيقي لأي كيان شبابي لا يُقاس فقط بعدد الفعاليات، وإنما بمدى قدرته على إحداث أثر مستدام داخل المجتمع، ورفع وعي الشباب، وتأهيلهم وتمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا؛ لذلك من المهم التركيز على البرامج الهادفة التي تبني الوعي وتدعم التمكين بمختلف صوره، بما ينعكس بشكل مباشر على المجتمع.

ونوهت عن أن تطوير الكيانات والاتحادات الشبابية يحتاج إلى تعزيز مفاهيم الحوكمة والتنظيم المؤسسي، من خلال وجود آليات واضحة للمتابعة والتقييم المستمر وقياس الأداء، بما يضمن تحقيق الأهداف بكفاءة وشفافية، إلى جانب أهمية التدريب والتأهيل المستمر، والاستفادة من أفكار الشباب أنفسهم، مع وجود رقابة بناءة تساعد على التطوير وتحسين الأداء بصورة مستدامة، بما يعزز ثقة الشباب في هذه الكيانات ودورها داخل المجتمع.

  أداة مهمة لكن تحتاج إلى ضبط وتطوير

من جانبه، أكد النائب حازم الريان، عضو لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، أن الكيانات الشبابية تمثل أحد الأدوات المهمة في إعداد وتأهيل الشباب، نظرًا لقربها المباشر من وزارة الشباب والرياضة وقدرتها على الوصول إلى مختلف الفئات الشبابية في المحافظات.

وأوضح أن هذه الكيانات تمتاز بمرونة أكبر في الحركة والتفاعل مقارنة ببعض مراكز الشباب، ما يجعلها عنصرًا مهمًا في دعم العمل الشبابي، خاصة في ظل التحديات التنموية الراهنة.

وفي المقابل، أشار الريان إلى أن التوسع الكبير في عدد الكيانات قد يؤدي في بعض الأحيان إلى تحديات، مثل ازدواجية الأدوار أو المنافسة غير المنظمة بين الكيانات، وهو ما يستوجب وضع ضوابط واضحة لعملها.

كما لفت إلى أهمية تعزيز الشفافية فيما يتعلق بمصادر تمويل الكيانات الشبابية، وآليات إدارة هذه الموارد، بما يضمن وضوح الرؤية واستدامة عملها في إطار منضبط يخدم أهداف الدولة في تمكين الشباب.

وشدد على أن الحل لا يكمن في تقليص عدد الكيانات، بل في الاستثمار في تطويرها من خلال التدريب والتأهيل، وتعظيم الاستفادة من الكوادر الشابة داخلها، بما يضمن تحويلها إلى منصات إنتاج حقيقية للقيادات، مع تعزيز التكامل بينها وبين مؤسسات الدولة المختلفة لضمان عدم تكرار الجهود أو تضارب الأدوار.

ضبط الإطار التنظيمي وتعزيز التكامل 

وفي السياق ذاته، أكد النائب نشأت حتة، أمين سر لجنة الشباب والرياضة بمجلس الشيوخ، أن الكيانات الشبابية أصبحت جزءً مهمًا من منظومة العمل الشبابي في مصر، لكنها تحتاج إلى ضبط الإطار التنظيمي الحاكم لها بما يضمن وضوح الأدوار وتجنب التداخل أو الازدواجية.

وأشار إلى أن التوسع الكبير في عدد الكيانات يستوجب بالضرورة وجود رؤية تنظيمية أشمل، تضمن توزيع الاختصاصات بشكل دقيق، وتمنع تضارب الأنشطة بين الكيانات المختلفة، بما يحقق الاستفادة القصوى من الطاقات الشبابية المتاحة.

وأضاف أن الكيانات الشبابية يجب أن تعمل ضمن منظومة متكاملة وليس بشكل منفصل، بحيث يتم تعزيز التنسيق بينها وبين الجهات الحكومية المختلفة، بما يسهم في توجيه الجهود نحو أولويات التنمية الفعلية للدولة.

وشدد على أهمية وضع آلية تقييم دورية قائمة على مؤشرات أداء واضحة، تتيح قياس مدى تأثير هذه الكيانات على أرض الواقع، مع دعم الكيانات الجادة وتطوير أدائها، وفي الوقت نفسه إعادة النظر في الكيانات غير الفاعلة لضمان جودة المنظومة بشكل عام.

تعزيز المأسسة وقياس الأثر

على الجانب الآخر، استعرض إسلام عطية، عضو نموذج محاكاة مجلس الشيوخ التابع لوزارة الشباب والرياضة، عددًا من التحديات التي تواجه الكيانات والاتحادات الشبابية، مؤكدًا أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تعزيز “المأسسة” ورفع كفاءة الأداء بما يحقق أثرًا حقيقيًا على أرض الواقع.

وأوضح عطية أن الكيانات الشبابية تشهد تنوعًا وتوسعًا ملحوظًا في أعدادها، وهو ما يستدعي التركيز على جودة الأداء أكثر من الكم، من خلال وضع آليات واضحة لتقييم الفاعلية وضمان تحقيق أهدافها في خدمة الشباب.

وأشار إلى أهمية تطوير أدوات تقييم الأداء داخل الكيانات الشبابية من خلال مؤشرات قياس واضحة، بما يساهم في دعم الكيانات القادرة على تقديم قيمة مضافة حقيقية، وتعزيز دورها في تمكين الشباب وتنمية مهاراتهم.

وفيما يتعلق بمدى ارتباط الكيانات باحتياجات الشباب، أكد أن هناك ضرورة لمزيد من التوجه نحو العمل الميداني، بما يواكب تطلعات الشباب في الأقاليم والقرى، خاصة فيما يتعلق بالتأهيل لسوق العمل، وتنمية المهارات، والوعي الاقتصادي والتكنولوجي.

وشدد على أهمية توسيع نطاق أنشطة الكيانات الشبابية لتشمل العمل داخل مراكز الشباب والمجتمعات المحلية، بما يضمن وصول البرامج إلى الفئات المستهدفة بشكل مباشر وفعال.

وأضاف أن العمل داخل الكيانات الشبابية يمثل فرصة حقيقية لبناء المهارات وصقل الخبرات، مؤكدًا أهمية أن يكون انضمام الشباب قائمًا على تقديم قيمة مضافة حقيقية تسهم في خدمة المجتمع وتنمية قدراتهم.

 52 كيانًا شبابيًا تحت مظلة الاتحاد وبرامج تدريب مستمرة

وفي رد رسمي، كان العميد وسام صبري، مساعد وزير الشباب والرياضة للكيانات الشبابية، قد أوضح في تصريحات سابقة أن هناك 52 كيانًا شبابيًا تعمل تحت مظلة الاتحاد المصري للكيانات الشبابية، بهدف تنظيم العمل وتوحيد الجهود وتعزيز دور الشباب في مختلف المجالات.

وأشار إلى أن الوزارة وضعت ضوابط ومعايير دقيقة للانضمام لهذه الكيانات، تشمل رؤية واضحة لكل كيان، ومعايير اختيار محددة، إلى جانب التوسع الجغرافي لضمان التمثيل في مختلف المحافظات.

وأضاف أن الوزارة تنفذ برامج تدريب وتأهيل مستمرة داخل الأكاديمية الوطنية للتدريب، تستهدف بناء قدرات الشباب وإعداد كوادر قادرة على المشاركة الفعالة في العمل العام، بما يعزز دورهم في خطط التنمية.

وفي ضوء ما طُرح من رؤى ومداخلات برلمانية وتنفيذية، يتضح أن ملف الكيانات الشبابية لم يعد مرتبطًا بمجرد التوسع العددي، وإنما بمدى قدرتها على التحول إلى أدوات فاعلة داخل المجتمع، قادرة على صناعة تأثير حقيقي في مسار تمكين الشباب.

وبين دعم واضح لاستمرار هذه الكيانات كمنصة لإعداد القيادات، ومطالب متزايدة بتعزيز الحوكمة والرقابة ورفع كفاءة الأداء، يظل التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين الانتشار والتنظيم، وضمان أن تتحول هذه الكيانات إلى قيمة مضافة حقيقية في منظومة العمل الشبابي في مصر؟